حارس العيش الواحد
03 تموز 2009
النائب ميشال موسى - "النهار"
كأنها استجابة للطلب الاخير من مؤمن خادم للكنيسة الى ربّه ان يذهب بسلام، بعدما أدّى الرسالة.
لكن ابرشية صيدا المارونية والمنطقة سوف تتذكران دوماً مواقف "أبونا حنا" ووقفاته، حيث انه كان باستمرار منحازاً الى العيش الواحد في صيدا التي احب ومنطقتها، داعياً الى الصبر والحكمة في التعاطي.
تعرّض لمخاطر كثيرة ابان الاحداث الأليمة، لكنه لم يحد عن خطابه الجامع الموحد.
فتح دار المطرانية للتشاور بين جميع ابناء الطوائف في الأزمات الصعبة.
كان دائم المجاهرة بالحق، لا يخاف ولا يرهب. أفجعته احداث شرق صيدا كثيراً وما نتج منها من تهجير، رغم الجهود الكبيرة التي بذلها مع جميع سعاة الخير، غير ان العواصف كانت اكبر من ان تهدأ... الا انه لم ييأس ولم يفقد ايمانه بأبناء منطقته واصرارهم على التشبث بالعيش الواحد، فلم يترك المدينة رغم المخاطر التي احاطته، وبقيت المطرانية وحارسها ابونا حنا ملجأ للمتألمين الشاكين، يكفكف الدمع ويبلسم الجروح، ويكمل الحوار مع جميع الافرقاء.
كنا القلّة الباقية التي تجتمع حوله وحول ابونا (المطران) سليم غزال، من اجل التفكير المشترك واجراء الاتصالات. ورغم الألم الكبير، والجرح الكبير، كان صلباً لا يلين، متمسكاً بمبادئه الاساسية واهمها العيش المشترك، متطلعاً الى عودة قريبة لمن هُجّر. خلال هذه المحنة الكبيرة والعاصفة الهوجاء، سبرت اكثر شخصية ابونا حنا، واكتشفت كم كان يخفي وراء وجهه الحديدي قلباً محباً وفكراً نيّراً.
وما ان اثمرت الجهود وبدأت العودة الى المنطقة، ولقاء الاهل بعضهم ببعض، ومرّت الغمامة، حتى عادت الفرحة الى حارس الابرشية، وبدأ عنده همّ من نوع آخر: تنظيم حياة الناس، واعادة ترميم الابرشية حجراً وبشراً.
حياة ابونا حنا كانت زاخرة بالايمان والممارسة الكنسية الانضباطية، حاثاً ابناء الرعايا التي خدم فيها، وتلامذته في المدرسة، على التزامها بكل طقوسها. لم يهادن في مبادئه الايمانية او في الممارسة، كان صارماً فرض هيبة الاب، مهما تعددت مهماته، أكان ذلك في العمل الرعوي او التربوي او الاداري في الابرشية، اضافة الى تضلّعه في اللاهوت والفلسفة والفكر الكنسي، حيث كانت له مؤلفات عدة متخصصاً في القديس اغوسطينوس.
ابونا حنا وجه روحي ووطني خسرته ابرشيته ومنطقته، غير ان تعزيتهما الكبيرة انهما عادتا كما شاء لهما الراحل الكبير ان تعودا، نموذجاً في العيش الوطني الواحد، وشهادة محبة بالمسيح. رحمه الله واسكنه فسيح جناته.
Copyright © 2010 Elnashra.com. All rights reserved.