لماذا لا تروي «الضمانة الرئاسية» غليل عون؟
03 تموز 2009
عماد مرمل - "السفير"
من جديد، تعود العلاقة الملتبسة بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والعماد ميشال عون الى الواجهة، وهذه المرة من نافذة «الدور الضامن» الذي يمكن ان يؤديه سليمان في الحكومة عبر الحصة الوزارية المرجِّحة التي يراد منحه إياها، تحت شعار تعطيل قدرة المعارضة على العرقلة وقدرة الاكثرية على الاستئثار.
أصلا، ما زالت العلاقة بين الرجلين تعاني «اشتراكات» العملية الانتخابية التي ساهمت مجرياتها في تعميق أزمة الثقة بينهما، تحت وطأة إحساس كل منهما بأنه كان مستهدفا من قبل الآخر في صناديق الاقتراع. وعلى كل حال، لم يُخف عون هواجسه، بل ألمح صراحة قبل السابع من حزيران الى ان رئيس الجمهورية حاول تحجيمه لصالح خصومه في فريق 14 آذار، من خلال دعم ما سمي «المرشحين المستقلين» في العديد من الدوائر المسيحية في جبل لبنان. ولعل ترشيح ناظم الخوري في جبيل، حيث مسقط رأس سليمان، كان بالنسبة الى «الجنرال» الدليل القاطع على «تورط» رئيس الجمهورية في معركة ضرب زعامته المسيحية.
في المقابل، ينتاب سليمان شعور عميق بالمرارة حيال سلوك عون تجاهه، ليس الآن فقط، وإنما منذ انتخابه رئيسا للجمهورية. لعل سليمان كان ينتظر أداء مختلفا من «رفيق السلاح» الذي كان ينتمي وإياه الى مؤسسة واحدة هي المؤسسة العسكرية. لكن، يبدو ان الرجلين رسبا باكرا في اختبار «الكيمياء» التي لم تسر بينهما من أول الطريق، فاتسمت العلاقة الشخصية بالبرودة، ثم راحت الساحة الواحدة (المسيحية) تضيق بالطموحات المتعارضة والحسابات المتباينة، ما جعل العلاقة السياسية فاترة، لتساهم المحطات المتلاحقة بعد ذلك ـ من التعيينات الادارية، الى الانتخابات النيابية، وما بينهما ـ في قضم المساحة المشتركة الضيقة وتوسيع حيز التناقضات المتنامية.
في ظل هذا المناخ الملبد، طُرحت صيغة «الضمانة الرئاسية» لحكومة الوحدة الوطنية وتوازناتها الداخلية، بما يكسر الاصطفاف الحاد داخلها ويحرر قراراتها من «شبق» هذا الفريق او ذاك. في المبدأ، بدا ان حزب الله وحركة أمل يملكان قابلية لمناقشة هذا الطرح، علما بأنهما تفاديا منذ البداية الاعلان الرسمي والصريح عن مطالبتهما بـ«الثلث الضامن»، الامر الذي يعني انهما تقصدا ترك الابواب مفتوحة امام تسويات «الزوايا المدوّرة»، من نوع تجيير الثلث الضامن الى رئيس الجمهورية بعد تحصينه و«تلقيحه» بوزير متعاطف مع المعارضة ويكون محسوبا في الوقت ذاته على سليمان.
أما العماد عون، فقد كانت مقاربته الامر مختلفة. «خارج إطار الدستور لا يشكل رئيس الجمهورية ضمانة لأحد، وضمانته تأتي حصرا مما هو منصوص عليه في صلاحياته الدستورية». بهذه المعادلة اختصر رئيس تكتل التغيير والاصلاح موقفه الذي يعني انه يرفض ان يؤمن الغطاء السياسي لكتلة وزارية مرجِّحة، لكن «عابرة السبيل» تعطى لسليمان ظرفيا ومرحليا على خلفية حسابات غير بريئة لدى بعض الموالاة، ترمي في أحد استهدافاتها الى جعله في مواجهة رئيس الجمهورية، وإن تكن أوساطه توضح انه إذا أراد التحالف الشيعي الموافقة على مثل هذه الصيغة، لتسهيل الحل، فإنه لن يقف في وجهها، لكنه يعارض في الوقت ذاته الاقتطاع من حصته الوزارية لمصلحة رئيس الجمهورية.
واستنادا الى مصادر مطلعة، فإن موقف عون ينطلق من العوامل الآتية:
ـ إذا تم الافتراض ان الثقة ممكنة برئيس الجمهورية، فليس من الضروري ان تنسحب هذه الثقة على الوزراء الذين سيختارهم.
ـ ان تجربة الرئيس السابق اميل لحود مع الوزراء الذين كانوا محسوبين عليه في آخر حكومات عهده، كانت بليغة في دروسها، إذ انهم بدأوا معه في الحكومة ثم سرعان ما انقلبوا عليه وانضموا الى صفوف 14 آذار.
ـ لم يتجاوب سليمان مع موقف عون عندما أكد قبل الانتخابات ان باستطاعة رئيس الجمهورية ان يعتبر ان نواب تكتل التغيير والاصلاح سيكونون في تصرفه، وبمثابة كتلته النيابية، إلا ان الرئيس أصر على خوض الانتخابات ومحاولة تشكيل كتلة تابعة له مباشرة. وبالتالي فإن عون لا يجد ان هناك ما يبرر له الآن ان يوافق على اعتبار وزراء الرئيس ضمانة له، أقله على قاعدة «المعاملة بالمثل».
ـ على المستوى الاجرائي، كيف يمكن ان يشكل وزراء الرئيس ضمانة للعماد عون، في حال اختلف الاخير مع رئيس الجمهورية؟ ألن ينحاز هؤلاء الوزراء تلقائيا في مثل هذا الوضع الى جانب سليمان؟
ـ في الاساس، هل يوجد وزراء محايدون فعلا، وما هي احتمالات العثور على نماذج مشابهة للوزير زياد بارود، ومن يضمن ألا يخضع هذا او ذاك لاحقا لضغوط الترهيب او الترغيب كما حصل مع وزراء لحود في العهد السابق؟
ـ ان التحالف الشيعي المتماسك والصلب الذي يغطي معظم الطائفة الشيعية يستطيع ان يطمئن الى ان «كلمته مسموعة» وخطوطه الحمر المتصلة بالمقاومة والشؤون الداخلية لن تُخترق، إلا ان حيثيات الوضع المسيحي مختلفة، بالنظر الى تعدد مراكز القوى فيه ولما يمثله تحديدا الرئيس سليمان والعماد عون من حضور وأبعاد داخل الساحة المسيحية. وبالتالي، فإن بعض المتحمسين لـ«الضمانة الرئاسية» يرمون ضمنا الى استدراج عون الى صدامات متنقلة مع سليمان أكثر مما يتطلعون نحو تعزيز موقع الرئاسة.
وتستحضر اوساط عون ما سبق ان قاله «الجنرال» لرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع في عز المواجهة العسكرية بينهما. يومها قال له عون: إذا خسرت أنا المعركة، فإن دورك هو التالي. تعتقد الاوساط ان جوهر السيناريو يتكرر حاليا: «فريق 14 آذار يدعمون الرئيس ليس حبا به، وإنما كرها بعون. ومتى تخلصوا منه، فسيتحولون نحو إضعاف سليمان، وإلا فليكرسوا صوته المرجِّح من خلال الثلث الضامن في الدستور، إذا كانوا صادقين في عواطفهم تجاهه، لأن المحك يكمن هنا».
Copyright © 2010 Elnashra.com. All rights reserved.