سليمان بين التحفّظ والتريّث، ولا يريد الثلث + 1 فخّاً للحكومة
04 تموز 2009
نقولا ناصيف - "الأخبار"
يكتفي رئيس الجمهورية ميشال سليمان بمتابعة الجهود والاتصالات السعودية ـــــ السورية، ويفضّل عدم اتخاذ مبادرة حيالها في الوقت الحاضر، في انتظار جلاء الاتجاهات التي تسلكها. لكن التزامه التحفّظ جعله يبدو كمن يتفرّج على ما تعدّه الرياض ودمشق للوضع اللبناني في المرحلة المقبلة، وخصوصاً تأليف الحكومة الجديدة، من غير أن يبادر لبنان الرسمي إلى تحديد موقفه منها وموقعه فيها.
لكن الصورة لا تبدو كذلك بالنسبة إلى سليمان الذي يلتزم أيضاً الصمت حيال النشاطات المحلية لتأليف الحكومة. لم يقل بعد كلمته في موضوع التفاصيل المربكة المتصلة بحكومة الوحدة الوطنية، ولا في المطالب المتناقضة التي يتبادلها الموالون والمعارضون، وكل منهم يضع الشروط التي تجعله سلفاً يتوقع رفض الآخر لها بتوزيع نصاب الحكومة الجديدة وحصصها، أو الضمانات التي راح الفريقان يقولان إنهما يطلبانها، كلّ من الآخر. وإلى الآن لم يتمكّن أيّ منهما من فكّ لغز ما يريده الرئيس من الحكومة الجديدة، وكيف يتصوّرها ما خلا إصراره على أن تكون حكومة وحدة وطنية يشارك الجميع فيها وتراعي التوازن، وتحافظ على الاستقرار وتقدر على جبه المشكلات.
يجيب مطلعون عن قرب على موقف رئيس الجمهورية عن هذه التساؤلات كالآتي:
1 ـ يقصر سليمان كلامه في المراحل التي قطعها تأليف الحكومة إلى الآن على ما لا يريده ولا يوافق عليه، ولم يفصح عمّا يطلبه من الحكومة ولها في انتظار بلورة الطرفين المتفاوضين، قوى 8 و14 آذار، نظرة كلّ منهما إلى التشكيلة الجديدة، عندئذٍ يحدّد رأيه ما دامت الكلمة الأخيرة ستكون له فهو يملك صلاحية إصدار مرسوم تأليف الحكومة الجديدة. وعلى نحو الاستشارات والمشاورات التي أجراها الرئيس فؤاد السنيورة لتأليف حكومته الثانية بين أيار وتموز 2008، يترك سليمان للرئيس المكلف سعد الحريري استنفاد جهوده، من غير أن يقلقه طول الوقت.
وعندما يُسأل الرئيس عن دوافع عدم تدخّله الفوري لاستعجال التأليف، وخصوصاً أن البعض يعتقد أنه ينبغي أن تكون الحكومة الجديدة حكومته الأولى، بعدما كانت حكومة الوحدة الوطنية حكومة تسوية الدوحة، والبعض يذكّره بعبارة الرئيس نبيه برّي أن أسلافه الرؤساء كانوا يميلون في مطلع عهودهم إلى تأليف حكومة تكون على صورتهم، يجيب سليمان بأنه يقارب هذا الاستحقاق وفق مراحله بدءاً باستشارات التكليف، مروراً باستشارات التأليف، فمشاورات التأليف. وعندما تنضج كل المطالب يغربلها رئيسا الجمهورية والحكومة. ولا يرى أن اختيار الأفرقاء وزراءهم يقلّل من صلاحياته الدستورية في التأليف ما دام القرار في نهاية المطاف يقيم في قلمه هو. يوقّع أو لا يوقع. عندئذٍ يتعيّن على هؤلاء، إلى أيّ فريق انتموا، تكييف مطالبهم وما يوافق عليه رئيس الجمهورية ويجده يلائم المواصفات المطلوبة للعمل الحكومي المجدي كي تبصر الحكومة الجديدة النور.
2 ـ مذ بوشرت الجهود السعودية ـــــ السورية، ظل سليمان مطّلعاً بشكل مستمرّ على وقائعها. يتلقّى يومياً البرقيات التي تحمل له مسارها، محبّذاً عدم التدخّل المباشر فيها نظراً إلى دقة المرحلة، وأهمية الأهداف التي ينطوي عليها التوسّع في المصالحة السعودية ـــــ السورية من جهة، وتوافقهما على استقرار لبنان من جهة أخرى، وقد حضّ عل هذه المصالحة مراراً وبذل مساعي لتحقيقها في اجتماعَي الدوحة والكويت بين 16 و19 كانون الثاني الماضي. إلا أن الرئيس يحدّد موقفه من هذه الجهود وفق معطيَين:
أولهما، أنه لا يريد أن يكون طرفاً ثالثاً في محادثات تجريها الرياض ودمشق تتناول في جانب رئيسي منها الوضع اللبناني، لئلا يبدو شريكاً في ما تقرّره دولتان معنيتان، ولأسباب متفاوتة، بالوضع اللبناني، وكأن الرئيس اللبناني يسلّم لهما بنفوذهما وشرعية دورهما داخل هذا البلد، وبتخلي لبنان عن دوره في معالجة مشكلاته الداخلية، رغم معرفته الوثيقة بحجم النفوذ الذي يمثّله كل منهما على أحد فريقي النزاع والخلاف المحلي.
ثانيهما، أنه لا يستطيع إلا أن يؤيد كل جهد عربي بنّاء يرمي إلى ترسيخ الاستقرار اللبناني وتقليص الحواجز بين تفاهم اللبنانيين. وهو ما قاله الرئيس دائماً لزوّاره، مشدّداً على تأييد كل مسعى يؤول إلى نتائج إيجابية. ومن الطبيعيّ أن يدعم أيضاً مسعى الرياض إلى تحقيق مصالحة بين دمشق والحريري، وبينها وبين سائر قوى 14 آذار لطيّ صفحة الأعوام الأربعة المنصرمة وتعزيز الاستقرار الداخلي. وهو جهد يكمّل، في رأي رئيس الجمهورية، ما بدأه قبل أقل من عام على صعيد تطبيع العلاقات اللبنانية ـــــ السورية.
3 ـ يفضّل سليمان عدم الوقوع في فخّ تركيز المشكلة الحكومية على كونها تدور حول الثلث الزائد واحداً، الذي لا يراه مصدر أزمات إلا إذا كان المقصود استخدامه في كل قرار يتخذه مجلس الوزراء. وإذ لا يعدّه نصاباً مطلقاً، يميل إلى توجيه الاهتمام نحو حكومة وحدة وطنية تتمتع بمواصفات وفاقية، وتتجنّب التحدّث عن وديعة لدى رئيس الجمهورية تارة، وعن نصاب يعتبره البعض ضامناً والآخر معطلاً طوراً. بل يرى أن حكومة الوحدة الوطنية يجب أن تعني توزير أشخاص يبعثون على الثقة بهم وبقدرة الحكومة على العمل، ما دام قد حدّد موقفه من ضرورة فرض توافق داخلي في الحكومة يغني عن نصاب الثلث الزائد واحداً. وهو تعهّده أن لا يطرح على مجلس الوزراء أياً من البنود الـ14 التي تنصّ عليها المادة 65 من الدستور قبل توفير التوافق سلفاً عليها.
Copyright © 2010 Elnashra.com. All rights reserved.