بما ان لبنان بلد التعايش والعيش المشترك، فقد احب البطريرك الماروني نصر الله صفير مجدداً ان يجسد هذا الامر بطريقته الخاصة. فبالتزامن مع شهر رمضان الذي يعود فيه المسلمون الى ذواتهم ويمارسون الصيام والصلاة، احب البطريرك ان يشاركهم هذا الامر انما من زاوية اخرى. ففي شهر رمضان، تكثر الفوازير التي تمتد طوال الشهر ويشارك في حلها العديد من الناس ممن يتابعونها، ومنهم من يضع جائزة معينة لحلها، فيربح الكثيرون ويفشل آخرون. اما مع البطريرك فالوضع مغاير تماماً، ففوازيره قليلة جداً وحلها شبه مستجيل فتخال كأنك امام معضلة تصلح لسكان كوكب آخر كي يجدوا لها الحلول، واذا كان الاستراليون بعثوا برسالة الى الفضاء الخارجي منذ فترة، فعلى لبنان ان يفكّر جدياً في بعث "فوازير" البطريرك الى الفضاء كي يدرك سكانه (اذا وجدوا) ان ما ينتظرهم هنا لا يقل جودة عما يعيشونه هناك.
غريب امر البطريرك، فكلما حاول المرء ان يصوم عن التكلم عنه، دفعه وجذبه وارغمه على القيام بعكس ذلك، وخير دليل على ذلك ما صدر عنه من مواقف في اليومين الاخيرين وبالاخص خلال حديث صحافي. بداية، تستوقف الصورة التي تم اختيارها لترافق الحديث الذي اجراه البطريرك وتم نشره، وهي تتضمن خلفية قاتمة جداً وصورة للبطريرك غير مبتسم، وقد رأى البعض في هذه الصورة لمحة عما يتضمنه الحديث ومدى التشاؤم الذي يخيم عليه.
يحار المرء في معرفة ما يريده البطريرك، فهو يريد شيئاً ويطالب بآخر، ومن هذه الامور على سبيل المثال لا الحصر: يدعو البطريرك الى تشكيل حكومة من الاكثرية تبقى المعارضة خارجها، فيستقيم الحكم. وهو البطريرك نفسه الذي دعا من واشنطن في العام 2005 بعد اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري الى ان تشارك المعارضة في الحكومة، ومن غير المجدي المشاركة بوزيرين أو أكثر في حكومة من 30 وزيراً لأنها بذلك لن تستطيع أن تفعل شيئاً، ولكن إذا كانت مناصفة او الثلث المعطل على الأقل فإن الأمر يختلف. بالطبع، الفارق بين اليوم وعام 2005، ان المعارضة كانت موالاة والعكس صحيح، فاقتضى التوضيح. وهنا لا بد من السؤال عن العربة التي يتندر البطريرك باعطائها مثالاً لنا عند كل مفترق طريق مع الجوادين، الم تكن خاضرة يا ترى في تلك الفترة؟
وما الحكمة في تحفيز المسؤولين على المضي بسياسة تلغي نصف البلد- علماً ان مفهوم الاكثرية والاقلية بات اليوم بحاجة الى اعادة تفسير- وقد اختبر لبنان على مدى اكثر من سنة مساوئ مثل هذا القرار. فهل البطريرك الوحيد الذي لا يدري بما حدث، وغريب عن اورشليم؟
يشتكي البطريرك في حديثه الاخير من التدخل الخارجي في لبنان، ويسأل: هل باتت أميركا وفرنسا وغيرهما من الدول تعرف ما يجري على أرضنا أكثر منا نحن أصحاب الأرض؟ علماً انه في "عزّ الازمة الرئاسية" وحين كان البطريرك نفسه قد قرر عدم التدخل في موضوع الاسماء لان رأيه لا يؤخذ به، قبل بالوساطة الفرنسية وسار بها حتى النهاية وسلّم لائحة من الاسماء لم تتضمن اسم الرئيس الحالي لانه اراد عدم تعديل الدستور. وهل يمكن انتقاء التدخل وشرعنته تارة ولعنه تارة اخرى؟
اما في ما خص المصالحة المسيحية- المسيحية، فلم يأمل البطريرك في الحديث الذي ادلى به حصولها نظراً الى تغليب اصحاب الشأن مصالحهم الشخصية على متطلبات المصالحة المذكورة. واذا سلمنا جدلاً بأن الامر صحيح، فما الذي فعله البطريرك لتغيير هذا الواقع؟ ولماذا يقف دائماً الى جانب فريق مسيحي دون آخر، فهل هكذا تتم المصالحة؟
ولا بد ان نشكر البطريرك على واقعة عدم وقوفه ضد "حزب الله"، وتجنيبه البلاد حرباً طائفية جديدة، والحمد لله ان البطريرك لا يملك فرقاً عسكرية وهو بذلك يوازي بابا روما من هذه الناحية.
لا احد يرغب في رؤية حرب صليبية، ولكن احداً ايضاً لا يرغب في رؤية حرب "انتر- صليبية" في لبنان، واذا كان السياسيون يركبون موجة التصعيد والمواقف المتطرفة، فعلى الحكماء ورجال الدين ركوب موجة اخرى تكفل جذب السياسيين الى البحر الهادئ، لا ان يحصل العكس فيجذب السياسيون رجال الدين الى البحر الهائج.
وفقنا الله وقدّرنا على ان نحل فوازير البطريرك، فنقتنع على الاقل بأنها مخصصة لسكان هذا الكوكب وليس لمن هم خارجه.