خطأان أميركيان حالا دون عقد مؤتمر للسلام في باريس
08 شباط 2010
جورج ساسين - "صدى البلد"
يروي أحد كبار المسؤولين الفرنسيين الذين زاروا مؤخرا المنطقة ما جرى قبل نحو ثلاثة أسابيع بين رئيس مجلس الأمن القومي جيمس جونز وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات حين أبلغ رئيس السلطة محمود عباس أنه يأتي للحديث عن الخطر الإيراني وأنه ليس مكلفا البحث بالموضوع الفلسطيني، وأن عليهم إنتظار وصول مبعوث الرئيس الأميركي الخاص جورج ميتشل. إذ ظهرت البلبلة وعلامات الغضب على وجوه المسؤولين الفلسطينيين لأنهم أدركوا أن مقدمات جونز وضعت حدا لآمالهم في المراهنة عليه نظرا لاطلاعه الدقيق على الملف منذ سنوات. وإستنتج هؤلاء بأن ما تفوه به جونز دليل يؤشر الى غلبة التيار الآخر في الادارة الأميركية.
وعليه يمكن القول بأن فشل أوباما ومبعوثه الخاص جورج ميتشل يتصدر الآن عنوان المرحلة بعدما كسب تيار وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون داخل الإدارة الأميركية ومن خلفها دنيس روس الذي يتم التداول بإسمه مجددا الآن للحلول مكان ميتشل.
في هذا السياق، فقدت الأوساط الفرنسية المتابعة لعملية السلام في الشرق الأوسط الآمال التي علقتها على وصول باراك أوباما الى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة ، وتعزو ذلك الى تبنيه فكرتين جامدتين أثبتتا خطأهما الذريع في أثناء عهدي سلفه جورج بوش، الأولى بأنه من الممكن التوصل الى السلام بين إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية فقط، أي الاستمرار في نسيان قطاع غزة وعدم الاهتمام بالمصالحة بين الفلسطينيين، والثانية الاعتقاد بضرورة إستمرار إستئثار الاميركيين لوحدهم بمتابعة الملف على منوال إجتماعات كامب ديفيد وأنابوليس ، بينما كان المطلوب تدويل المفاوضات عبر إعطاء اللجنة الرباعية الدولية مسؤولية مباشرة في متابعة المحادثات والحرص ميدانيا على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وكذلك إشراك العرب فيها من خلال تفعيل مبادرة السلام العربية. هذه الطريقة كان يمكنها تخفيف العبء الذي تحمله إدارة أوباما من جهة وتأمين مظلة أوسع للإطراف المتفاوضة لتشجيعها على القبول بالتنازلات الصعبة المطلوبة والاستمرار في دعمها أمام رأيها العام الداخلي من جهة ثانية.
وكانت هذه الأوساط تعتقد بأن القصد الأساسي من عقد مؤتمر مصغر للسلام في باريس كان إحداث صدمة إيجابية لدى الأطراف المتنازعة بحيث تجبرهم هذه الصدمة على القبول بجدول زمني جديد، وبمنهج جديد لادارة المفاوضات وكذلك برعاية دولية أكثر حزما ونفوذا ومتابعة.
وتأسف هذه الأوساط الفرنسية لعدم إستخلاص الأميركيين للعبر من 16 عاما من المفاوضات العقيمة، في المقابل لم يكن المقصود العودة الى حقبة وزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر حين جمد القروض الاميركية الى إسرائيل لإجبارها على القبول بالانخراط في العملية السلمية إنطلاقا من مؤتمر مدريد ، فهذا في كل الأحوال غير واقعي الآن بسبب موازين القوى السياسية في مركز القرار الأميركي.
لكن باريس كانت تعول في المقابل على إقتناع الإدارة الجديدة بهذا المعطى السياسي والتاريخي لكي تقيم عملية السلام على قواعد مختلفة. لكن أوباما أخطأ في تبني عقيدة بوش حيال قطاع غزة ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أنه لم يتعلم من الفشل المدوي لمفاوضات كمب ديفيد بين الفلسطينيين والاسرائيليين التي كانت برعاية الأميركيين الحصرية.
وتقر بأن ثمة عوامل عديدة لعبت دورا كابحا لتطلعات أوباما الأساسية وهي الملفات الداخلية العاجلة الموجودة على طاولته فضلا عن لفت أنظاره الى ضرورة التحضير للانتخابات النصفية التي تمهد الطريق لحملة الانتخابات الرئاسية المقبلة. ولم يحسن إلتقاط المناسبة السانحة له على خلفية الجو الايجابي الذي كان مخيما في الكونغرس في بداية العام الماضي من أجل إفساح المجال للرئيس المنتخب القيام بمسعى جدي لحل المشكلة الفلسطينية بعدما فتحت الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة باب التساؤلات الجدية في الرأي العام لمصلحة الفلسطينيين.
وكانت الانقسامات الأوروبية والفلسطينية والضعف العربي وشيخوخة ميتشل وقوة رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو كفيلة مجتمعة بكتابة الغلبة لتيار السيدة كلينتون التي لم تبلع حتى الآن على ما يبدو خسارتها أمام أوباما. فأدت كلها في المحصلة الى تسديد ضربة قاصمة لمحاولة إطلاق عملية السلام على أسس جديدة.
Copyright © 2010 Elnashra.com. All rights reserved.