المصالحة الوطنية في خطاب «السيد»

05 تموز 2008 سليمان تقي الدين - "السفير"



أنجزت المقاومة ملف استعادة الأسرى ورفات الشهداء، مؤكدة بذلك فشل العدوان الإسرائيلي في تحقيق أهدافه في حرب تموز .٢٠٠٦ لقد اعتبرت إسرائيل صفقة التبادل أوقاتاً »للحزن والذل« لأنها رضخت أخيراً لشروط تلك »المنظمة العسكرية المكوّنة من بضعة آلاف من المقاتلين« التي استطاعت أن تواجه »أقوى جيش في الشرق الأوسط«، بحسب العبارات التي وردت في تقرير »فينوغراد«.
في هذه المناسبة أطل سيد المقاومة على الجمهور ليعلن »بتواضع المنتصر« على أن اللبنانيين جميعهم يمكنهم المشاركة بيوم الفرح والفخر، وأن يستعيدوا تضامنهم الوطني ويقفوا كتفاً إلى كتف، لأن هذا النصر هو لهم جميعاً مهما باعدت بينهم الأهواء والاتجاهات. وفي دعوة مباشرة لطي صفحات السنوات الماضية من الفرقة والاختلافات أعاد »السيد« الاعتبار للحوار الوطني، مبدياً كل استعداد للبحث في استراتيجية دفاع وطني يشارك فيها كل اللبنانيين وتكون الدولة إطارها الناظم. لم يكن موقف »السيد« جديداً على الذين قرأوه سابقاً بروح الرغبة في الفهم لا بروح الخوف والتخويف ولأسباب سياسية لم تكن خافية. فلم يسبق لخصوم سلاح المقاومة أن قدموا أفكاراً قائمة على تطمينات وضمانات من أن العدو الإسرائيلي سيتوقف عن عدوانه، أو أن الدولة بقواها الشرعية قد صارت حاضرة للدفاع عن حدود لبنان.
لكن الأهم في خطاب »السيد« هذا الاستعداد »للمّ الشمل« متجاوزاً كل الخطاب السابق »الاتهامي« الذي وسّع شقة الخلاف وعمّق أزمة الثقة بين المكوّنات اللبنانية وليس بين المقاومة والسلطة. وإذا رصدنا ردود فعل القوى السياسية الأساسية منذ اللحظة الأولى لإعلان مجلس وزراء العدو عن إبرام صفقة التبادل فإننا نقع على ما يمكن اعتباره توجهاً جديداً لدى فريق »الأكثرية النيابية« لملاقاة إنجاز المقاومة هذه المرة بروح الاعتراف بالجميل الوطني، إذا جاز استعمال عبارة أخلاقية في هذا المقام.
إن استواء الخطاب الوطني الجامع على قاعدة التأكيد للعداء مع إسرائيل هو المدخل الصحيح لمعالجة القضية الوطنية، ولا نريد التذكير هنا بما انزلق إليه البعض في لحظة شطط إلى تنحية هذا العدو عن صدارة الاهتمامات اللبنانية. ما يعنينا بالضبط هو العودة إلى المسلمات الأساسية التي وحدها تستطيع أن تحفظ الوحدة الوطنية ووحدة الدولة. وفي ضوء وهج هذا الإنجاز الوطني للمقاومة اليوم تبهت، ويجب أن تبهت، صورة النزاعات الداخلية السلطوية التي حوّلت موضوع تقاسم النفوذ في الحكومة والسلطة إلى عنوان غطى على سواه من العناوين والقضايا.
في هذا المناخ الجديد الصحي الذي خلقته الإنجازات الوطنية للمقاومة، حيث »خجل الطوائف« أمام عظمة الاستشهاد في مواجهة العدو الحقيقي لجميع اللبنانيين تتراجع طموحات الجماعات السياسية لتحقيق ما هو أفضل في الشكل والمضمون من سلطة لا قيمة لها أصلاً خارج سياقات التفاهمات بين اللبنانيين.
هذه اللحظة يمكن أن تستثمر في البيان الوزاري للحكومة العتيدة، بحيث لا يجوز الجدال في جدوى المقاومة حتى آخر مهمات التحرير سواء تمّ ذلك بوسائل المقاومة المباشرة أم بتأثير من حضورها في المسرح السياسي.
ولقد صار واضحاً منذ عام ٢٠٠٠ أن مشروع المقاومة لم يكن مغامراً لتعريض البلاد لحروب مجانية، سوى أن القرار ١٥٥٩ بما له من أبعاد إقليمية هو الذي مهّد السبيل للحرب على لبنان وهو الذي يدفع بالمقاومة للتمدد خارج إطارها الجغرافي السابق. فإذا كان من شكوى على هذا الصعيد فهي ترتد على الذين ساهموا في توسيع مهام المقاومة ونطاق انتشارها وليس العكس. ولن يكون ممكناً تقليص حضور الأمن الخاص بالمقاومة إلا من خلال قيام الدولة بحماية ظهيرها وبالفصل الحقيقي بين حاجات لبنان للدفاع عن أمنه وبين نزاعات الطوائف في الداخل.
لقد شكّل خطاب »السيد« ما يمكن اعتباره دعوة للخروج من الآثار السلبية المتبادلة لمرحلة النزاعات السابقة. فهو وضع الأمور في نصابها السياسي لا الأخلاقي الضيق الذي حاول البعض حصرها فيه. فالمصالحة الوطنية لا يمكن أن تتم في الأمور المصيرية من خلال كلمة طيبة من هنا وكلمة طيبة من هناك. لقد بلغ الخلاف السياسي بين اللبنانيين حداً من الافتراق في قضايا جوهرية نتيجة تنازع الإرادات المرتبطة بقوى الخارج.
وليس هذا عذراً لأحد كي يزعم أن كل صراع سياسي بالمطلق هو صراع مشروع وأن كل قرار سياسي هو مسموح وأن العنف المادي وحده هو الخطيئة بعينها. إن العنف بين اللبنانيين مهما كانت أسبابه يبقى خطأً فادحاً في كل زمان ومكان. لكن المسؤولية الوطنية تقضي أيضاً في الكشف على مصادر العنف »الشرعي« أو المعنوي حيثما يتجلى ذلك ويسهم في استدراج ردات الفعل عليه. وفي السياسة علينا الاحتكام إلى المصالح الوطنية وليس إلى »سذاجة« من يعتقد أن المسالمة واجبة دائماً في ظل الضغط المعنوي حتى لو أتى من شرعية السلطة.
لا يلغي كل هذا القول أن الطوائف اللبنانية قلقة، كل واحدة منها لأسباب وجيهة تخصها. وأن هذه الطوائف، لا سيما الكبرى منها، تتصرف ويوحي خطابها السياسي بالرغبة في جذب الآخرين إلى تصوراتها هي عن ذاتها وعن لبنان الكيان والدولة. لقد صار كل مطلب إصلاحي جزئي يتعلق بصلاحيات هذا أو ذاك من المواقع مدعاة للاعتراض. لم يعد ممكناً إصلاح شؤون الدولة والنظام السياسي إلا من خلال بسط الأمور كلها على طاولة الحوار لا التفاوض. التفاوض هو أسلوب لتحسين شروط التسويات، أما الحوار فهو رغبة في الفهم المتبادل للهواجس والمصالح والسعي إلى بناء المشترك بينها. ونظن أن خطاب »السيد« في مناسبة استعادة الأسرى وتعامل المجتمع السياسي مع هذا الحدث الوطني على مقربة من ذكرى حرب تموز الثانية هو بداية مخاض جديد من الحوار الوطني الهادئ خارج حرب الخنادق السياسية التي أقفلها اتفاق الدوحة.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.