قصـة «اللقـاء المؤجـل» بيـن نصرالله والحريـري

05 تموز 2008 عماد مرمل - "السفير"



بدو ان تحرير الاسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية سيترافق مع تحرير الساحة الداخلية من قيود المرحلة السابقة التي جعلت الجميع، في وقت ما، »أسرى« لمواقفهم ومواقعهم.
هكذا، سيكون متاحا »توظيف« جزء من »عائدات« الانتصار الجديد الذي تحقق باستعادة المعتقلين في تعزيز الرصيد الاجمالي للبلد، بعدما فتح كل طرف على حسابه، خلال احتدام الصراع بأشكاله المختلفة في الفترة الماضية.
إنه فائض الانتصار الذي يتجاوز بمفعوله حدود المواجهة مع إسرائيل، ليطال في تأثيراته وشعاعه العمق اللبناني، موفرا امام الجميع المخارج التي تتيح لهم التفلت من زواياهم الضيقة الى مساحات الالتقاء.
ويسجل في هذا الاطار للامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله انه تفوق على ذاته، وقاوم »إغواء« احتكار النصر ومردوده، مطبقا معايير الشراكة ـ التي طالما نادى بها ـ على الانجاز الجديد من خلال إهدائه الى كل اللبنانيين، بمعزل عن طبيعة انتماءاتهم ومدى ملاءمتها للخط السياسي الذي يمثله حزب الله في اللعبة المحلية.
ولعل الاهم في هذا الاهداء ان نصر الله تجاوز »الندوب« الداخلية لحرب تموز، فإذا به يدعو من اتهموه بخوض مغامرة غير محسوبة عند أسر الجنديين الاسرائيليين الى ان يشاركوه في »وليمة« النتائج الباهرة للمغامرة وفي شرف الاحتفاء بنهايتها السعيدة، قافزا فوق ضغط الاحساس ـ الذي يقارب حد القناعة ـ بان البعض كانت له حساباته ورهاناته الخاصة خلال حرب تموز.
ومع إتمام صفقة التبادل في هذه اللحظة بالذات، يكون حزب الله قد استعاد ليس فقط الاسرى وإنما أيضا صورة الحزب المقاوم، بعدما علاها مؤخرا غبار المواجهة الشرسة بين الموالاة والمعارضة، بكل ما حملته من التباسات مذهبية.
وفي هذا السياق، فان نجاح الحزب في أنتزاع الموافقة الاسرائيلية على إطلاق سراح الاسير سمير القنطار إضافة الى عدد من المعتقلين الفلسطينيين الذين سيفرج عنهم لاحقا، سيشكل بالنسبة الى أوساطه أبلغ رد على الحملات ذات الخلفية المذهبية التي استهدفته طيلة الفترة الماضية، باعتبار ان »الاسم الحركي« لمجمل الصفقة، اي سمير القنطار، والكثير من الشهداء العائدين إنما يحملون في هوياتهم الشخصية انتماء يختلف عن ذاك الذي يتكون منه نسيج حزب الله.
وكان لافتا للانتباه مسارعة عدد من رموز الموالاة الى ملاقاة الخطاب الانفتاحي لـ»السيد« في منتصف الطريق، بدءا من النائب وليد جنبلاط وصولا الى الرئيس فؤاد السنيورة والنائب سعد الحريري، ما دفع الوزير مروان حمادة الذي يُعرف عنه بانه أحد »صقور« المواجهة مع حزب الله الى القول بان تحولا طرأ على مزاج القيادات السياسية، سيؤسس لانفراج كبير جدا.
والارجح، ان قوى أساسية في فريق ١٤آذار ، وجدت في تحرير الاسرى مناسبة مثالية للتخلص مما علق في »ردائها« من رواسب مرحلة ما بعد حرب تموز، والتي قيل فيها الكثير حول خيارات هذه القوى ورهاناتها.
وفي كل الحالات، فقد تلقت أوساط قيادية في حزب الله بارتياح ردود الفعل على مواقف أمينه العام، مشيرة الى انها تعد »إيجابية«، ومرجحة ان تكون أكثر من مجرد »ترحيب إعلامي«. أما كيف سيترجم الحزب إرادة الانفتاح السياسي التي عبر عنها نصر الله، فهو أمر إجرائي يتوقف على مسار الظروف وأحكامها. المهم، ان لا شروط سياسية أمام أي لقاء بين »السيد« ورموز الموالاة، واغلب الظن، ان نصر الله سيكون مستعدا للتجاوب مع أي موعد يطلب للاجتماع به في مقره.
وبينما تؤكد مصادر بارزة في تيار »المستقبل« انه من الافضل ان ينعقد اللقاء المرتقب بين السيد نصر الله والنائب الحريري في قصر بعبدا وبرعاية رئيس الجمهورية، يبدو في المقابل ان هناك صعوبة عملانية أمام هذا الاقتراح، وتتمثل في الاعتبارت الامنية الخاصة بنصر الله والتي ستمنعه من الانتقال الى القصر الجمهوري وعقد اجتماع علني فيه ومن ثم مغادرته في توقيت معروف.
وبالنظر الى هذه الخصوصية الامنية، فان الخيار الوحيد المتاح امام نصر الله حتى إشعار آخر هو استقبال الحريري أو أي شخصية أخرى في مقره. ومن ناحية أخرى، فان بعض المقربين من الحريري يعتقدون ان المطلوب بعد أحداث بيروت ان يزور نصر الله رئيس تيار المستقبل في قريطم، انطلاقا من أسباب معنوية ومراعاة للمزاج السني عموما والبيروتي خصوصا، واذا كان لا بد من مرونة في هذا المجال فقد أبداها الحريري عبر تجاوبه مع فكرة حصول اللقاء في القصر الجمهوري.
إزاء ذلك، من غير المتوقع ان يعقد الاجتماع في القريب العاجل، ولعل أقصى ما يمكن الوصول اليه في هذه المرحلة هو »إعلان النوايا« الذي تم من قبل الطرفين، في انتظار ان تسمح الظروف السياسية والشخصية بترجمته عمليا.
وإذ تؤكد مصادر الحريري ان الاخير تعامل بإيجابية مع كلام نصر الله الهادئ في المضمون وطريقة الإلقاء، تلفت الانتباه الى ان من شأن حصول اللقاء بين الرجلين ان يعالج تلقائيا التشنج السياسي والمذهبي، ومعتبرة انه أصبحت لدى الطرفين قناعة بان أحدا لا يستطيع إزاحة الآخر، وهذا ما أثبتته أحداث بيروت، إذ عجز حزب الله عن ترجمة انتصاره العسكري على الارض الى انتصار سياسي في الدوحة.
وتشدد المصادر على ان الحريري لا يضع شروطا سياسية على لقاء نصر الله، نافية ان يكون مطروحا طلب الاعتذار الى أهالي بيروت، كمدخل الى أي اجتماع، ومشيرة الى ان انه لم يصدر أي موقف رسمي من هذا القبيل عن تيار المستقبل. وتتساءل: أيهما أجدى، المطالبة بالاعتذار ام معالجة جذور المشكلة التي بدأت مع رفض نصر الله استقبال الحريري عندما طلب موعدا لزيارته، ثم تفاقمت بعد أحداث بيروت التي سببت جرحا عميقا؟
وتعتبر المصادر انه من الافضل للطرفين ان يعقد الاجتماع في قصر بعبدا، ما دام انهما يعلنان عن تأييدهما لرئيس الجمهورية ميشال سليمان ولدوره الوفاقي، مشيرة الى انه ليس مناسبا ان يتم التواصل عبر أطر جانبية بعد انتخاب رئيس الجمهورية الذي يستطيع من موقعه ان يرعى الحوار بين اللبنانيين.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.