لبنان الحائر المحير

05 تموز 2008 عبد العزيز المقالح - "الخليج" الإماراتية



ما كاد المواطنون العرب داخل لبنان وخارجه يتنفسون الصعداء بعد اتفاق الدوحة، ويستعد الأشقاء في لبنان لصيف لبناني هادئ ومثمر، حتى لاحت نُذُر الخيبة معلنة عن انكسار الفرحة، من خلال مجموعة من العوامل المثيرة للقلق، في مقدمتها تأخير تشكيل الحكومة، وهو البند الأول في اتفاق الدوحة، ثم جاءت الاختراقات الأمنية المتلاحقة، والمناوشات الاستفزازية وما تنذر به من تهديد للاتفاق، وعودة إلى التمترس وراء الخنادق والحواجز.
هل هذا هو حظ لبنان وحده أم هو حظ العرب أجمعين، هؤلاء الذين كتب الله عليهم، وكتبوا على أنفسهم أن يشهدوا في السنوات الأولى من الألفية الثالثة أسوأ سنوات تاريخهم المعاصر، جزاء ما ارتكبوه في حق أنفسهم وأوطانهم، وما أفسدوه وفرطوا فيه من تضامن، وما استخدموه من تكتيكات لم تكن صالحة لبدايات القرن العشرين، فضلاً عن صلاحيتها لبدايات قرن جديد، وجهلهم لما تتطلبه كل مرحلة من مهارة فائقة في التعامل مع الداخل والخارج، مع الصديق الذي لن يبقى صديقاً، والعدو الذي لن يبقى عدواً، وفق مفاهيم فن السياسة المتحرك، الذي لا يقبل حالات الثبات لأنه كما يقولون يجسد المصالح المتغيرة، ويعكس الرغبة في كسب المواقف، أكثر مما يعكس القيم الأخلاقية والشعور بأهمية بناء الثقة الدائمة.
إن العقول لتحتار ليس تجاه ما يحدث في لبنان وحده، وإنما تجاه كل ما يحدث فيه، وفي بقية الأقطار العربية دون استثناء، فكل قطر منها يواجه حالة من الاختلال السياسي، وغياب في التوافق بين الأنداد السياسيين من جهة وبين الأقلية الحاكمة والأغلبية المحكومة من جهة ثانية، بين معارضات مشتتة ذات اتجاهات عديدة ومتصادمة وأنظمة استطابت أسلوباً معيناً في التعامل مع هذا السيل غير الجارف من المعارضات، وأغلقت أبواب الحوار بالضبة والمفتاح.
ومن هنا، فإن ما يحدث في لبنان رغم خصوصيته ووضوح إشكالياته الطائفية، ليس شأناً لبنانياً، بل هو شأن عربي، تتغلب فيه الحساسية الذاتية وحلول الاستئثار، محل الايثار وتلاشي الشعور الوطني، الذي يفرض باستمرار حداً أعلى أو أدنى للتنازل، لكي تستقر الأحوال وتسير الأمور في طريقها التعايشي الذي لا مفر منه. كما يبدو أن ارتفاع شعار لا غالب ولا مغلوب، الذي يقال ان الحياة السياسية اللبنانية تقوم عليه منذ عشرات السنين، لم يعد نافعاً ولا قادراً على تخفيف حدة التوترات، فالاتجاه المسيطر على المواقف يسعى الى إيجاد غالب ومغلوب، وهو الأمر الذي لن يحافظ على وحدة لبنان، ويضمن التعايش بين طوائفه وتنوعه المذهبي، وإذا صحت هذه الهواجس والنذر، فعلى لبنان الثورة وعلى العرب السلام.



Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.