الصفقة والصفعة

05 تموز 2008 أمجد عرار - "الخليج" الإماراتية



كنا نفضّل لو أن البعض تعاطى مع صفقة تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل بمعزل عن تفاصيل الأزمة اللبنانية والعربية، ومن دون دوافع سياسية أو مذهبية مسبقة، وبعيداً عن مواقف تقاطعت مع قرار بريطاني يعتبر الجناح العسكري لحزب الله منظمة "إرهابية".

قضية الأسرى تختزل البعد الإنساني بكل معانيه، ومن المعيب والمخجل والمجحف، والمشبوه أيضاً، أن يجري إدراجها في سياقات أخرى، أقلها الإصرار على تسخيف فكرة المقاومة ومواصلة المؤامرة الإسرائيلية الأمريكية وشبه الدولية لمحاصرتها وعزلها، ما دام أطراف المؤامرة وأدواتها قد يئسوا من حلم القضاء عليها ميدانياً.

هي قضية كل لبناني وعربي وكل إنسان حر غير مرتبط برذائل المصالح والأخلاق الدولارية وحجارة الأودية السحيقة المسمّاة مذهبية.

ومع الأسف الشديد، هناك من لا يفهم معنى أن تحتضن أم ابنها بعد غياب ثلاثين عاماً، وأن يرى الأسير ضوء الشمس غير مخطط بالأسلاك الشائكة. إذا كانوا لا يقدّرون هذا الشعور، فإنهم معذورون من حيث لم يجربوا السجن خمس دقائق، بل لم يطيقوا البعد عن المنتجعات والبارات عندما كانت جدران معتقلات الخيام وأنصار وعتليت وعسقلان ونفحة، وسواها من مقابر الأحياء، تردِّد باكية آهات الأسرى المعذبين بأيدي أوحش وحشية في القديم الحديث، ويُداسون بالأقدام الأشد همجية في التاريخ.

هؤلاء لم يجوعوا ولم يعطشوا ولم ينخفض منسوب المياه في مسابحهم، ولم يأكلوا بذور المكانس، ولم يجرّبوا أن تقسم البيضة لشخصين، والدجاجة إن وجدت، لثمانية. لا يعرفون أن كرامة الميت دفنه، ولا معنى أن تسترد مائتا أسرة رفات أبنائها وتضعها بعد عقود من الألم في تراب الوطن، بعدما كانت تخاطب أرواحهم في كل الاتجاهات.

نعرف حساسية البعض تجاه حرف الميم، لأنه يتصدر كلمة مقاومة، ولكننا، ببراءة، نقنع أنفسنا أن هذا البعض يمكن ألا يبوح بحساسيته في مناسبات معينة مثل قضية الأسرى، أولاً كونهم من أبناء جلدتهم، وثانياً لأنهم سيقوا إلى غياهب السجون بسبب نضالهم ودفاعهم عن كرامة وطنهم وقضية أمتهم وأبناء شعبهم، بمن فيهم هذا البعض، ما لم يعتبر أن له قضية أخرى.

ولا ندري لماذا علينا دائماً أن نلجأ إلى أحكام العدو لنقلبها لكي نقدر حجم ما يفعله المقاومون، فصفقة التبادل الموشكة على الخروج إلى حيز التنفيذ أربكت اسرائيل، التي ظلّت حتى اللحظات الأخيرة ترفض إدراج المناضل سمير القنطار في التبادل، حيث لخص أيهود أولمرت خيبته بالقول إنها صفقة مؤلمة لا يوازيها إلا الشعور بالذل.

هكذا يقولون هناك، بينما نسمع من بيننا من يتجاهل كل هذه المعاني، ويتحدثون عن دساتير وسيادة سبق لبعضهم أن مرّغها بأحذية المحتلين واتفاقات العار وتسليم المناضلين للعدو. من الطبيعي أن يمتعض هؤلاء من الصفقة لأنهم يعتبرونها صفعة على جباههم المجمدة.

 

 




Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.