بداية التحضيرات الجدية للانتخابات النيابية تنهي عصر ردة الفعل لدى الغالبية
06 تموز 2008
روزانا بومنصف - "النهار"
اعلان "اللقاء المسيحي الوطني" الذي استعار صفة "الوطني" للدلالة على طابعه العروبي، اذا صح التعبير، وقد كثر استعمال هذه الصفة ايام الحرب للتمييز بين الخط الذي كانت تشكله "الجبهة اللبنانية" من جهة، والتنظيمات المسيحية التي كانت مندمجة مع الحركة الوطنية اليسارية من جهة اخرى، لم يشكل حدثا مفاجئا في الشكل ولا في المضمون. والسبب ان هذا اللقاء كان متوقعا على ابواب التحضيرات الجادة لانطلاق المعركة الانتخابية النيابية، وهو يأتي بمثابة إطار لقوى المعارضة المسيحية. غير انه بدأ، مع جملة عوامل أخرى، يسلّط الضوء على التحدي الذي يواجهه مسيحيو قوى 14 اذار في المرحلة المقبلة انطلاقا من مستوى التمثيل الذي يفترض ان يحظوا به من ضمن التركيبة الحكومية، وصولا الى خوضهم الانتخابات النيابية.
فالايام الاخيرة من المخاض الحكومي دفعت بقوة الى الواجهة الصراع المسيحي المسيحي، وذلك بعد فكفكة العقد الاقليمية بفعل تطورات تشبه الى حد بعيد تلك التي ادت الى ولادة تسوية الدوحة على ابواب زيارة الرئيس السوري بشار الاسد لباريس والتي يبدو انها أدت دورا حاسما في تأخير الولادة الحكومية لجعلها تأتي قبل ايام من هذه الزيارة. والعامل المسيحي كان موجودا منذ البدء، لكن ممانعة العماد ميشال عون ومعاندته تركزتا على رغبته في استقطاب التمثيل المسيحي وجعل الآخرين يدورون في فلكه، على قاعدة انه يعتبر نفسه الممثل الاقوى للمسيحيين. في حين ان مسيحيي قوى 14 اذار لم يظهروا ان ثمة مشكلة على رغم انها كانت قائمة حكما بفعل رفع العماد عون سقفه من جهة، وعدم توافق هؤلاء على نهج واحد لمقاربة الوضع الحكومي في مواجهة عون من جهة اخرى. هذه الثغرة كان لها دور اساسي في الايام الاخيرة، وينتظر ان تظهر تداعياتها تباعا ليس على المستوى الحكومي فحسب، انما ايضاً على المستوى السياسي العام بحيث يتعين على مسيحيي 14 اذار وحلفائهم اعتماد مقاربات مختلفة نظرا الى حصول تغييرات كبيرة لا يمكن تجاهلها.
فأحد الاسباب لتراجع الكثير من الشخصيات المسيحية التي لها حيثيتها الشعبية والسياسية في انتخابات العام 2005، هو توزع القوة المسيحية من ضمن هذه المجموعة وتضارب مصالحها احيانا، بحيث دفع بعض هؤلاء الى خوض الانتخابات على نحو مشرذم. حتى ان الكلام على الانتخابات كان يتم تجنبه نتيجة الحرص على اخفاء عدم التوافق او تضارب المصالح بين مكونات الفريق نفسه. ومع ان المبرر البديهي والطبيعي ان قوى 14 آذار هي ائتلاف قوى من كل الطوائف، فان اعتماد المقاربات نفسها سيجعل مسيحيي 14 آذار دوما في موقع رد الفعل، واذا قام احد منهم باي مبادرة من هذا القبيل فانه يبقى منفردا وعاجزا عن تفعيلها. ويسود مثل هذا الشعور بين صفوف مسيحيي 14 اذار، ويمكن التكهن بعجزهم عن التحضير للانتخابات النيابية، كما يمكن الجزم باحتمال تأثير هذا الوضع سلبا على الفريقين السني والشيعي من ضمن مجموعة قوى 14 آذار نتيجة تضارب المصالح بين مختلف الشخصيات المنضوية الى هذا الفريق. ومن غير المستبعد، اذا حافظت هذه القوى على استراتيجيتها، ان تمهّد لخسارتها في الانتخابات النيابية المقبلة بحيث لا تتأثر وحدها سلباً، بل تؤثر ايضا على حلفائها وعلى طبيعة الاكثرية النيابية في المرحلة المقبلة التي يدور الصراع منذ ثلاث سنوات على محاولة سيطرتها على القرار السياسي في لبنان.
فالمعركة الانتخابية بدأت رسميا منذ اتفاق الدوحة، وقصرت القوى المسيحية في 14 آذار غالبية مواقفها حتى الآن على ابداء ردود الفعل وإن جاء موقفها في موقع الصواب في مقابل مواقف خاطئة او سلبية الآخرين. والمزايدات ستشتد، وخصوصا لدى المسيحيين او باسمهم، في كل صغيرة وكبيرة، في الايام المقبلة باعتبار ان المعركة الانتخابية تكاد تنحصر في غالبيتها لديهم في اظهار كل فريق نفسه مؤهلاً اكثر من سواه لتمثيل المسيحيين والنطق باسمهم وتحصيل حقوقهم. وستخاض هذه المعركة من ضمن المراكز الوزارية وخارجها. وهذا امر ايجابي الى حد ما، لعلّ المسيحيين يحصدون بعض الايجابيات في التنافس الخدماتي والاجتماعي بعدما كان التنافس على الاستئثار بالسيطرة عليهم والتحدث باسمهم في السابق دمويا وقاتلا، وخصوصا في العقدين الأخيرين وقد هجّر الكثيرين منهم وأودى بحياة آخرين.
أحد أبرز المظاهر السلبية التي اطل بها " اللقاء المسيحي الوطني" انه اعاد تلميع كل الصور القديمة في استعادة متجددة لزمن اعتقد المسيحيون وربما ايضا اللبنانيون، انه ينبغي ان يأفل ليطل مكان عصر جديد ووجوه جديدة بحيث تجدد الطائفة نفسها ولا تبقى اسيرة الماضي وشخصياته، بكل ما علق بها من شوائب ولا حتى بصور او شخصيات مستنسخة عنها فعلا وقولا، على ما نشهد. وأحد أبرز الاخطاء الكبيرة والسلبيات لدى المسيحيين عموما انهم بدوا في الاعوام الثلاثة الأخيرة كأنهم عاودوا الصراع الذي كان توقف قسرا عام 1990 بسبب نفي احد الزعماء ثم سجن آخر، وهو ما تستكمل فصوله اليوم في شكل أو آخر. لكن معركة 2009 هي معركة خيارات مصيرية اكثر من السابق ويمكن تنسيق التنازلات المتبادلة والحصص والمواقع بين قوى 14 اذار من ضمن استراتيجية متكاملة غير انانية وغير شخصية. وهذا ما تحتاج اليه المرحلة المقبلة.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.