المشهد السياسي لماذا الاستغراق في المستنقع المذهبي؟

20 آب 2008 غاصب المختار - "السفير"



من الغريب أن يصدر كل هذا الصراخ والضجيج والاعتراض والاستنكار على تفاهم هو بمثابة الحد الأدنى، بين »حزب الله« وبعض الجمعيات والتيارات الدينية السنية ومنها السلفي، والاغرب ان تصدر عن نواب عكار، امس، مواقف ترفض تفاهم »حزب الله« الا مع المرجعية الدينية للطائفة السنية المتمثلة بدار الفتوى او المرجعية السياسية المتمثلة برأيهم بـ»تيار المستقبل«، علما ان الطموح المنطقي والوطني يفرض ان تتم الدعوة الى تفاهمات اوسع واعمق واشمل في بنودها، بحيث تطال كل شؤون الهم الوطني العام، وبما يسهم في إعادة تكوين السلطة واصلاح النظام وبناء الدولة وتصحيح التوجهات ووقف الاستئثار.
والمستغرب ايضا ان يسحب »تيار المستقبل« يده من هذا التفاهم، الذي ان لم يسهم في وقف الفتنة المذهبية والتحريض والتجييش، فإنه على الاقل يسهم في التأسيس للقاءات ولبحث اوسع واشمل بين قوى اخرى مختلفة عقائديا وسياسيا، بهدف التقارب وتضييق مسافات الخلاف، ويسهّل على المخلصين العمل على ايجاد الحلول للازمات القائمة، الا اذا كان قصد المعترضين على مثل هذا التفاهم هو الاستمرار في الشحن الذي سمعناه مؤخراً في بعض الاعتصامات والتحركات الشعبية الاسلامية في طرابلس، المتعلقة بإطلاق الموقوفين من دون محاكمات، وهو تحرك محق بهدف إطلاق الأبرياء وغير المرتكبين، لكن جرى حرفه عن أهدافه الانسانية وحتى السياسية، باتجاه التحريض على الشيعة والعلويين و»حزب الله«.
ولا يمكن فهم هذا الاعتراض الشديد على تفاهم الحد الأدنى الا انه دليل رغبة البعض في استمرار الهيمنة على الشارع السني الوطني والعروبي، وأخذه في اتجاهات لا تعبر عن حقيقة وجوهر الطائفة السنية، المتمسكة بقضاياها الوطنية والقومية، وبالطبع الاسلامية الصحيحة.
يمكن لـ»تيار المستقبل« او سواه من تيارات سلفية او سياسية عاملة في الوسط السني معترضة على هذا التفاهم، ان ترفض التفاهم او الاتفاق على برنامج سياسي مع »حزب الله« اذا كان يتعارض مع برنامجها او خطها السياسي، لكن لا يمكن لطرف ان يمنع طرفاً آخر من تحقيق مثل هذه الاتفاقات او التفاهمات، بحجة انها تمثل اختراقا للساحة السنية، وكأن هذه الساحة مطوبة لفريق دون آخر، او انها محجوبة عن الانفتاح و التفاهم مع الآخرين، خاصة ان حجة المعترضين تقوم على ان الاطراف الموقعة على التفاهم مع »حزب الله« لا تمثل السلفيين، ولا قاعدة شعبية لها ولا ثقل سياسياً، فإذا كان الامر كذلك، لماذا هذا الاعتراض والصراخ وكأن هذا التفاهم سيهدم الكعبة المكرّمة، او يمس جوهر العقيدة الاسلامية الحنيفة والسنة النبوية الشريفة؟
وثمة من يرى ان الاعتراض على هذا التفاهم هو دليل على توجه خارجي دولي، وبعضه عربي وإسلامي للأسف، بإبقاء لبنان ساحة صراع طائفي ومذهبي، لا تستقيم معه دعوات المعترضين على التفاهم، الى تحييد لبنان عن مثل هذا الصراع الاقليمي و الدولي، بينما هم يغرقون في حبائله بعلمهم او من دون علمهم، عبر منع أي تقارب بين أجنحة لبنانية وطنية، ترى حدا ادنى من التفاهم بينها وتبدّيه على نواحي الخلاف والانقسام.
وثمة من ينفخ في نار الفتنة لتبقى مستعرة وليبقى البلد مستغرقاً في مستنقع المذهبية والطائفية وينعم هو بنعيم الانقسامات، بينما مثل هذا التفاهم يطفئ نار الفتنة، ومطلوب تعميمه بين »حزب الله« وباقي التيارات السلفية والإسلامية المعتدلة، وبالأخص مع »تيار المستقبل«، والأحرى بدار الفتوى ان تبارك أي تقارب بين المسلمين وتحض على توسيعه ليشمل كل اللبنانيين على مختلف مشاربهم الطائفية والسياسية، فيسلم البلد وتبقى الفتنة نائمة.. فلا يلعن الله من يوقظها.

 



Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.