باريس تحظى بفرصة مزدوجة شرط تجنّب اخطاء جديدة
زيارة ساركوزي لسوريا مدخل لمكاسب لبنانية فعلية؟
21 آب 2008
روزانا بومنصف - النهار
لم يرَ مراقبون غربيون في نتائج القمة اللبنانية - السورية التي انعقدت الاسبوع الماضي في دمشق الا حصيلة يتيمة هي التبادل الديبلوماسي بين البلدين الذي سيترجم في أولى خطواته اليوم في قرار لمجلس الوزراء عشية زيارة يقوم بها وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير للبنان قبل انتقاله الى دمشق من اجل التحضير لزيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي المرتقبة للعاصمة السورية مطلع ايلول المقبل. اما ما اعلن في البيان المشترك الصادر بعد القمة فلا يعتد به على انه من المسائل الجدية التي سيتم العمل بها. ولا يغفل هؤلاء ان الدول الاوروبية، بالاصالة عن نفسها وبالنيابة عن الولايات المتحدة الاميركية، التي تترك لفرنسا تحصيل ما يمكنه تحصيله من سوريا اذا استطاعت ان تتحمل هي مسؤولية الفشل، قد انزلقت الى المنطق السوري الذي يقول بان اي خطوة في لبنان او في اتجاهه ينبغي ان يكون لها ثمن. وهو المنطق الذي حكم التعاطي الفرنسي منذ رهن الرئيس ساركوزي اعادة العلاقات بين بلاده ومعها كل اوروبا بتسهيل اجراء انتخابات رئاسية في لبنان، ثم كافأ سوريا بدعوة نظيره السوري الى احتفالات 14 تموز في باريس حيث اعلن الرئيس السوري خلال الاجتماعات التي عقدها مع الرئيس الفرنسي اقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان. وهذا المنطق نفسه يستتبع السؤال عما يمكن ان يطلبه ساركوزي من دمشق مجددا ويرهن أي خطوة يقدمها في المقابل بعد أن تنفذ ما تلتزمه، في حال فعلت، فعلى الفرنسيين، الذين تقع عليهم مسؤولية متابعة الحرص على استقلال لبنان وتحصينه، بقوة أكبر من السابق - حين أخذ الاميركيون الواجهة في هذا المجال، باعتبار ان الولايات المتحدة الاميركية دخلت مرحلة انعدام وزن نتيجة الانتخابات الرئاسية والتشريعية عليهم في تشرين الثاني المقبل - عليهم ان يبقوا في جيبهم دوما ما يقايضون سوريا عليه لمصلحة لبنان اذا سلموا بالسير بهذا المنطق، وتاليا عدم تقديم كل شيء دفعة واحدة، ذلك ان الرئيس الاسد تعهد في باريس اقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان، وكان هذا البند الاساسي الوحيد الذي التزم تنفيذه. ثم ان التنسيق الاميركي - الفرنسي تام في الملف اللبناني ولا يمانع الاميركيون في أن يجرب الفرنسيون أسلوبا جديدا مع السوريين يكون بمثابة امتحان لصدق النيات السورية من جهة، لقاء بدء فك العزلة الدولية عن سوريا من جهة اخرى.
ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب زيارة ساركوزي للعاصمة السورية اهميتها الكبرى باعتبار انها ستشكل المفتاح للباب المغلق اوروبيا ودوليا على سوريا حتى الآن. وانطلاقاً من هذه المقايضة يمكن النظر في بنود اخرى تعزز استقلال لبنان اذا شاءت فرنسا فتح ابواب أخرى اكثر عملانية. وما لم يتم ذلك على هذا النحو والسير في هذه العلاقة المتجددة خطوة بعد اخرى، فان الفرنسيين يخاطرون بخسارة موقعهم السياسي المميز في لبنان لقاء لا شيء من سوريا، باعتبار ان هذه تحتاج الى الاوروبيين بقوة في المرحلة الراهنة لكنها تفضل الاميركيين بسبب عملية السلام والضمانات وما الى ذلك، وتتخذ من الفرنسيين جسر عبور الى الاوروبيين الآخرين ثم الى الاميركيين، وخصوصا في هذه المرحلة. لذلك من المهم الا تخطئ ادارة ساركوزي ثانية في اسلوب التعامل مع سوريا في الموضوع اللبناني بعد الخطأ الذي ارتكبته في ايلول الماضي حيث تفاوضت مع سوريا بالنيابة عن لبنان، فوقعت في الفخ الذي نصبته سوريا لها نتيجة امساكها بمفاصل اساسية في الحياة السياسية اللبنانية.
ثم ان على الادارة الفرنسية ان تجعل من هذه الزيارة أمراً مهما جدا له اثمانه، وخصوصا ان دولا عربية اساسية لم تنفتح على سوريا حتى الآن ولم تول تعاون سوريا في فك الحظر عن انتخابات رئاسة الجمهورية ولا موضوع اقامة علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا الاهمية التي تسمح بالاطمئنان الى ان النيات السورية باتت صافية حيال لبنان، وان التدخل السوري في لبنان بات من الماضي. فليست اعادة العلاقات العربية او الاوروبية مع سوريا ما يقلق اللبنانيين او يزعجهم، اذ ان غالبية اللبنانيين تدرك واقعيا ان مصالح الدول، السياسية منها والاقتصادية، تتحكم بعلاقاتها، لكن المقلق ان غياب الضغط الدولي عن سوريا يتيح لها، في ظل ارتياحها الى استعادة علاقاتها الدولية، العودة الى استغلال لبنان والتدخل في شؤونه بكل الطرق الممكنة، في حين ان الرقابة الدولية ينبغي ان تكون دائمة ومتواصلة كي تقتنع دمشق بان تؤمن لجارها ولا تسعى الى وضع اليد عليه عبر حلفائها مثلا في الانتخابات النيابية المقبلة. ثم انه يتعين على الدول التي بذلت جهودا من اجل استعادة لبنان استقلاله، ان يكون شرطها الدائم لتطوير العلاقات مع سوريا وتحسينها ابقاء لبنان خارج المقايضات ايا تكن، والعمل على ان تحترم سوريا دوما علاقاتها مع لبنان بموجب القوانين الدولية تحت وطأة عدم تطوير هذه العلاقات وما سوى ذلك، فالمسألة لم تنته مع انتخاب رئيس جديد ولا مع تأليف الحكومة، وهناك استحقاق الانتخابات التي ستضع سوريا ثقلها من اجل استعادة الغالبية في مجلس النواب عبر تحالف قوى المعارضة سابقا، على ما اعرب عنه وزير الخارجية السوري وليد المعلم اكثر من مرة في الاونة الاخيرة. والمهم تالياً الا تنسى ادارة ساركوزي ما يواجه لبنان من تحديات واستحقاقات تُسأل عنها سوريا ايضا وايضا فتبني على الشيء مقتضاه بدراية وحكمة.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.