ما الذي يقلق الرياض من تفاهم حزب اللّه والسلفيّين

21 آب 2008 ابراهيم الأمين - "الأخبار"



التفاهم الذي وقّعه حزب الله مع مجموعات من التيار السلفي في لبنان، ليس بالحجم الذي يفترض إثارة قلق الجهات الراغبة في تعزيز الوحدة الوطنية على ما «تفلقنا» به ليل نهار أدبيات 14 آذار، لأنه في أضعف الأحوال تفاهم يفتح باب الحوار بين مجموعات عقائدية تعاني أزمة ثقة وأزمة تواصل منذ تنوّع الحركات السياسية والجهادية والحركية والفكرية الإسلامية قبل نحو ثلاثة عقود. ثم إن هذا التفاهم في حالة بلد مثل لبنان، يمكنه أن يخفف من حالة التشنّج والتوتّر السائدة بفعل التجاذبات السياسية الكبيرة. وهذا ما يساعد أيضاً على تهدئة النفوس وعلى استعادة الاستقرار الذي يفيد في معركة بناء الدولة، على ما يقول لنا نواب وقيادات فريق الأكثرية النيابية. كذلك فإن تقارباً بين حزب كحزب الله ومجموعات سلفية متهمة بالانقطاع عن الآخرين في بقية لبنان، من شأنه توسيع دائرة التواصل بين فئات لبنانية كثيرة، وخصوصاً أن لحزب الله نفوذه الكبير وعلاقاته القوية مع جهات من طوائف ومذاهب أخرى ومع قوى سياسية وفكرية أيضاً. وهذا بحد ذاته يساعد على حماية العيش المشترك الذي تعدّه قوى 14 آذار هاجساً أساسياً وهدفاً كبيراً. بالإضافة إلى أن تفاهماً من هذا النوع، يحقق انفتاحاً بين المناطق المقفلة بعضها على بعض وعلى أهلها، بما يعيد الاعتبار إلى دورة التواصل الاجتماعي، وبالتالي الاقتصادي، ما يعزز «مؤشرات النمو» على ما يريد رئيس حكومتنا فؤاد السنيورة في بيانه الوزاري.
أكثر من ذلك، لنفترض أن حزب الله صاحب غرض من وراء هذا التفاهم، فهل ممنوع عليه أن يقوم بما تقوم به قوى 14 آذار التي تسعى إلى خطب ودّ هذا التيار وتسأل عن أصواته يوم الانتخابات، وتريد التواصل مع مشايخه ومفاتيحه الانتخابية؟ ثم إن سمير جعجع خرج يوم غزوة الأشرفية ليدعو أبناء الكنيسة إلى عدم الاصطدام بالمتطرفين من التيار السلفي الذين يقومون بأعمال عنف وتكفير لا للمسيحيين فقط، بل لبقية المسلمين أيضاً.. كما أن تيار المستقبل يقول إنه يعيش في الوعاء الأيديولوجي نفسه الذي يعيش السلفيون فيه.. فما الذي يضر هؤلاء إن قلّدهم حزب الله وأراد أن ينفتح على أولئك، أم أن ما هو مسموح لفريق 14 آذار لا يسمح به للآخرين؟
الواضح أن لا هذا ولا ذاك من الأسباب ما يهم قوى 14 آذار. وحتى إشعار آخر، فإن وليد جنبلاط سيكون الوحيد من قيادات هذا الفريق غير مهتم بما يحصل، باعتبار أنه يعرف السر في كل هذه اللعبة، وأنه حبكها مع «المعلم» الكبير في الرياض، حيث يبدو أن تفاهم أوّل من أمس دقّ جرس الإنذار في السعودية وسمعت الأصداء في طرابلس وبقية لبنان، ويتصرف السعوديون على أساس أن الأمر هو عبارة عن ضرب في المكان الصعب، حيث كان أمراء الأمن والمال في المملكة يعتقدون أنه في الأوساط التي يبرز فيها السلفيون، توجد الأوراق القوية التي يمكن اللجوء إليها وقت «الحشرة»، فكيف الحال والمصيبة وقعت بعد أحداث أيار الشهيرة، وانهارت البنية الحاملة لتيار المستقبل، وبات عاجزاً عن المبادرة؟
كان السعوديون يعملون منذ مدة على مراجعة من نوع خاص لما جرى مع حلفائهم في لبنان، ومن دون الصراخ بسبب الخسائر غير المتوقعة في أقصر مدة زمنية، فإنهم بادروا إلى إدخال تعديلات على الاستراتيجية السابقة التي كانت تقول بالعمل على توحيد السنّة خلف النائب سعد الحريري. وبعدما أجبروه على الابتعاد قليلاً وتثبيت الرئيس السنيورة في رئاسة الحكومة، باشروا بفتح قنوات التواصل مع قيادات سنّية محسوبة على المعارضة أو يخشى أن تقع في حضن المعارضة، وتدخّلوا بقوة لتوزير النائب السابق تمام سلام، كما أعربوا عن رغبتهم في توزير الزميل نهاد المشنوق، ثم أرسلوا من يتحدث إلى الرئيس عمر كرامي وآخر ليتحدث مع الوزير السابق عبد الرحيم مراد، ووسّعوا قنوات التواصل مع جمعيات دينية ومؤسسات تنموية وخدماتية قريبة من الأوساط الإسلامية التي ظلّت طوال الوقت تقف على مسافة من 14 آذار، ثم بادروا إلى عرض خدماتهم على آخرين، وناقشوا رئيس جبهة العمل الإسلامي الداعية فتحي يكن في الأوضاع العامة، وأكدوا للجماعة الإسلامية أنهم مهتمون بأن يكون لها ثلاثة مرشحين على الأقل في اللوائح التي سوف يدعمها تيار «المستقبل». وإلى جانب هذه الاتصالات، صرفت الأموال ولا تزال في أكثر من مكان، ويجري العمل بقوة على استعادة كل العلاقات التي كانت مقطوعة مع قيادات أو فاعليات سنّية، وخصوصاً في الشمال، بغية العمل على معادلة جديدة تقول بـ«توحّد أهل السنّة في مواجهة المد الفارسي». وعند الشرح، يظهر أن الهدف هو فقط: مواجهة سوريا وحزب الله!.
ووسط الحديث عن تلقّي الموقّعين على وثيقة التفاهم مع حزب الله تهديدات بالقتل إن هم لم يتراجعوا عن خطوتهم، يصبح مفيداً التوجه بسؤال إلى محبّي الحياة عن هذا المنحى التكفيري الذي سيؤدي إلى تمزّق الفريق نفسه قبل أن يصيب بقية البلاد بما هو أسوأ. لكن الأكيد أنه برغم كل التعبئة المذهبية القائمة، فإن هذا الموقف له جذوره السياسية البحتة، وإلّا فكيف يمكن رفض التفاهم مع حزب الله ويمكن قبول التفاهم مع مسيحيي «القوات اللبنانية» ودروز وليد جنبلاط!.



Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.