الفجر الأوروبي الجديد
09 تشرين الأول 2008
كريستوف باربييه - "الاكسبرس" الفرنسيّة
لن يستسلم العالم بسهولة للأزمة المالية ، بل سيتغير ويتشكل طبقا لمعطياتها. نتابع جميعا العجز شبه التام للعالم عن مواجهة الأزمة المالية الحالية ونتابع الحلول الجزئية المقترحة ونحن على يقين بأن المسكنات لن تكون يوما علاجا ناجعا. يصطبغ عالمنا اليوم باللون الأحمر الفاتح ، ربما لأنه لون احتراق أسواق المال على الكوكب.. أو ربما يكون لون غروب الولايات المتحدة وانهيارها كليا.خلال السنوات المئة الماضية ، عرفت التجربة الاقتصادية الأميركية نجاحات كما لم تفعل باقي التجارب الاقتصادية. كان الأمر أشبه بشد المطاط ومقاومة الضغوط. ويبدو أن الوقت قد حان للعودة إلى الحجم الطبيعي والارتداد إلى الشكل والقدرة الأولية. وإذا كانت واشنطن محظوظة فقد يكون بمقدورها الشد مرة أخرى وخلق تجربة جديدة.الشد من جديد قد يكون هذه المرة على حساب الدول فقيرة الموارد أو على حساب الدول الحليفة ، التي لم تتأثر بالقدر ذاته من أزمة الولايات المتحدة. ومن هذا المنظور تكون الأزمة شأنا يخصنا بالأهمية ذاتها. وإن كانت قوى الأمس تعاني وتترنح ، فمن الممكن أن يحصل الأمر ذاته مع قوى اليوم.. أوروبا نموذجا.الأزمة الحالية قد لا تقود إلى انهيار الولايات المتحدة ، ولكنها ستقود إلى سيناريو أسوأ من وجهة نظر واشنطن. سيناريو يقوم على التعددية ويؤمن بشراكة دولية بعيدا عن الرغبة الأميركية بالتفرد. لقد حان الوقت للحديث عن شراكات استراتيجية مع باقي التجارب الاقتصادية الكبرى... الصين ، الهند ، البرازيل وحتى روسيا كلها دول مرشحة لشراكات قوية.. هذا إذا استثنينا الاتحاد الأوروبي.من الممكن أن ترفض الولايات المتحدة المعطيات الجديدة. ولتحقيق ذلك ستعمل على تحريك الحروب هنا وهناك ، حرب في أوكرانيا بعد جورجيا لتحدي روسيا ، وحرب في تايوان بعد التيبت لعناد الصين ، وأخرى مع إيران والباكستان بعد العراق لضمان الهيمنة العسكرية على الشرق الأوسط. كل تلك الحروب هي احتمالات قائمة لكن الكلفة الاقتصادية ستكون الرادع الأول بالنسبة لواشنطن التي يتوجب عليها التفكير أيضا بفوائد الشراكة.وعندما تعلق الأمر بأزمة اقتصادية حقيقية ، زالت خطورة الأزمات الأخرى وحتى تلك المواجهات العسكرية القائمة ، لم تشغل هذا الحيز من الاهتمام الإعلامي والسياسي دوليا واقليميا. قد يعتقد البعض أن الولايات المتحدة تدفع ثمن إفراطها في تجميل التجربة الديمقراطية وتطبيقاتها على حرية السوق. دعونا نترك الأمر للناخب الأميركي في الانتخابات الرئاسية القريبة ، وسيشهد العالم كيف أن تلك التجربة الديمقراطية كانت وبالا على النخبة السياسية وعلى الناخب نفسه.المشكلة تكمن في أن قادة اليوم لا يعتبرون من تجارب الأمس. وإلا لكانت أزمة عام 1929 حاضرة للعيان ليستفيد منها كل من تنقصه الخبرة في التعامل مع حرية السوق.مهما كان حجم الأزمة وقوتها فإنها ستزول وتصبح مجرد عبرة تاريخية مثل سابقاتها. المهم أن يعرف العالم كيفية التعامل معها لأن المنتصر الحقيقي في النهاية هو من يستعد من الآن لمعطيات ما بعد الأزمة. ويعني ذلك أن تتخلى أوروبا عن معتقدات الزمن البالي وترتد عن الأفكار الكلاسيكية ، وتستعد لانشاء شراكات وتحالفات استراتيجية جديدة قد تكون الولايات المتحدة قد أغفلت أهميتها.وهنا نتذكر كلمات الرئيس ساركوزي ، خلال زيارته إحدى الجامعات الفرنسية قبل أيام ، حين قال: "اليوم هو دور أوروبا للتحرك ، يجب أن ندافع عن تجربتنا بقوة". الموضوع يتطلب رئاسة استثنائية للاتحاد الأوروبي تعي حساسية المرحلة ، رئاسة تؤمن بالارتجال والتحرك السريع لإستباق الآخر.ألمانيا كانت أول من دعم التوجه الفرنسي الجديد ودعت إلى المضي في الطريق ذاته الذي يمر بأوروبا قوية ، موحدة ، حكيمة التصرف ، سريعة التحرك ، متصلبة الرأي.. ومن يدري فقد يكون ذلك اللون الأحمر الفاتح الذي يلوح في الأفق.. لون الفجر الأوروبي الجديد.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.