"القادة الكبار لم يكلفوا انفسهم عناء التوجه للميدان"

09 تشرين الأول 2008 "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية - .



مؤخرا ازيل الغبار عن المعلومات السرية من حرب يوم الغفران والغبار الذي يتطاير في الهواء يدخل في العيون: رئيس الحكومة السابق ارئيل شارون يقول في شهادته امام لجنة اغرانت عندما كان في تلك الحرب قائداً للفرقة 143 ان القادة الكبار اداروا الحرب من دون ان يكونوا في الميدان. كما تحدث عن القيادة التي تتصرف وكأنها في الحرب الاهلية الاسبانية وعن القيمة الهامة لعدم ترك الجنود في ارض المعركة اسرى للعدو. 33 عاما تفصل بين حرب يوم الغفران وبين حرب لبنان الثانية الا ان الاطلاع الاولي على تلك البروتوكولات السرية يشير الى ان المسافة بين الحربين تبدو فجأة قصيرة اكثر من اي وقت مضى.
في السادس من آب 1974 وقف الجنرال احتياط ارئيل شارون امام لجنة اغرانت للادلاء بشهادته. "نحن نريدك ان تقدم شهادتك حول قضية الانضباط في الجيش عشية الحرب وخلالها. هل كان هناك انخفاض في مستوى الانضباط؟" سأله رئيس اللجنة ورئيس محكمة العدل العليا في حينه الدكتور شمعون اغرانت.
"لا اعتقد انه كان هناك انخفاض في الانضباط في الحرب" قال شارون. "هذا يعني انني اعتقد ان الجيش الاسرائيلي لم يتميز في اية مرة من المرات بالانضباط الكامل. شعوري في الماضي كان اننا ان خضنا حرباً قاسية في يوم من الايام فإن انضباطنا الذي اعتدنا عليه لن يصمد فيها".
"انا اريد ان ادخل في لب القضية قال عضو اللجنة القاضي موشيه لندو وطلب الخوض في قضية الانضباط في سياق اكثر تحديداً بصدد الادعاءات القائلة ان شارون نفسه لم يكن يصغي لتعليمات القيادة العليا. "هل كانت هناك حالات لم تؤدي فيها الفرقة 143 الاوامر؟ متى يسمح للقائد وفي اية رتبة ان لا يلبي الاوامر؟"
شارون: "انا اعتقد كإفتراض اساسي ان من الواجب تنفيذ كل التعليمات. هذا بصورة عامة ولكن في بعض الاحيان تجد نفسك في وضع وهذا هو الوضع الذي واجهته في اليوم 21 من ذلك الشهر انك في ارض المعركة وان اي قائد مهما كان اعلى منك لا يمكنه ان يتخذ اوامراً تعني الموت لافرادك اكثر منك. قتل عدد كبير من عناصرك عندما يتعلق الامر هنا يكون فيه الانجاز مسألة هامشية جداً وعندما لا يوجد لديك من تطرح ادعاءاتك امامه فعليك حينئذ ان تتخذ القرار بنفسك. هذه حالات نادرة جداً حسب رأي وانا في كل الاحوال واجهت وضعاً كهذا في ذلك اليوم. صحيح انني نفذت هذه التعليمات الا انني اعتقد حتى اليوم انه لم يكن علي ان انفذها. نفذتها وهذا كليفني ثمناً باهظاً جداً مع انجازات معدومة. هذا كان المثل الصارخ في نظري على ان القائد يتوجب عليه في مثل هذا الموقف ان يأتي ويقول: اسمعوا هذه مسألة لن تنفذ بأي شكل من الاشكال. انا اشعر انه لم يكن علي ان انفذ الاوامر واشعر بالمسؤولية عن هذه القضية. سقط في فرقتي 500 ضحية على الاقل واصيب 2000. هذه كانت حرباً فظيعة وهذا امراً لم يكن له داع".
ومن رده في قضية تنفيذ الاوامر والتعليمات.
شارون ينتقل لتوجيه الانتقادات الحادة للقادة الكبار الذين يديرون المعارك عن بعد وليس من ارض المعركة. هذه الانتقادات تبدو اليوم رغم مرور 35 عاما عليها ملحة اكثر من اي وقت مضى: "لو ان القائد كان يتواجد في ارض المعركة ويرى الامور مثلما كنت أراها من هناك فأنا اعتقد انه كان سيقتنع. ولكن الاشخاص الذين يصدرون الاوامر لم يكونوا في الميدان بكل بساطة ولم يعرفوا ما الذي يحدث هناك ولا يفهمون الحرب التي تدور. انا لست بحاجة لهؤلاء الاشخاص حتى يشاطرونني جهنم التي كانت هناك. القادة في المستويات العليا لم يعتقدوا ان من الواجب التواجد في ارض المعركة في اللحظة الحاسمة. هناك حالات لا مفر فيها من ان تكون في ارض المعركة حتى ترى ما يحدث بالضبط".
شارون الذي رفض بشدة الادعاء بأنه لم يكن يصغي للاوامر اضطر لمواجهة حقيقة ان يوميات الفرقة التي كانت قائدها قد نقلت في نهاية الحرب الى بيته الخاص بمزرعة الشكميم خلافاً لقوانين الجيش: "ضباط قيادة الفرقة خزنوا عندي في احد الغرف عدة صناديق مغلقة" وانا لم اقم بفتحها في اية مرة وافترض اننا سنفتحها وسنجد كل ما فيها هناك قال شارون.
القاضي لندو كان مذهولاً لما يسمعه: "انا لا افهمك عفوا. أوليست هذه ممتلكات عامة. عندما تغادر الفرقة يتوجب ان تبقى لدى الفرقة او في اي موقع رسمي آخر".
شارون: "انا لا استطيع ان اوضح ذلك. على الفرقة ان تقدم تقريرا وهي لم تفعل بعد. الان تبدل كل الاشخاص في الفرقة ومع مغادرتهم اخذت من هناك عدة صناديق وهي موجودة ولم افتحها في اية مرة من المرات وانا لا املك حتى مفاتيح الغرفة التي وضعت فيها". لندو: "حسناً يا جنرال شارون ولكني اشعر بخيبة الامل بعض الشيء رغم ذلك. لأن المكان الذي وضعت فيه الصناديق يعود لملكية خاصة وليس عامة. نيبن تسأل: "من المحظور كليا القيام بذلك مع كل الاحترام ومن الواجب اعادة الصناديق للجيش فوراً تخيل مثلا ان تكون بعض هذه المواد مطلوبه من اجل محاكمة جنائية. هذه قد تكون مواد مركزية في قضية خطيرة او دعوة مدنية او عامة ما".
بعد ذلك عاد شارون في شهادته لقضية الانضباط واستخلاص العبر من الحرب: "انا على قناعة ان الصمود في الحروب الضارية - وانا لا اعتقد ان الحرب التي صمدنا فيها كانت الحرب الاصعب المتوقعة لنا، اعتقد ان من الواجب الاستعداد لحروب اكثر شدة - يتوجب بالتأكيد زيادة الانضباط. انا لست راضيا على الوضع الذي يمر به الجيش اليوم.
كلمات شارون بصدد انعدام الانضباط اثارت الغضب في صفوف اعضاء اللجنة الذين اختاروا العودة للبحث في قضية الصناديق. رئيس هيئة الاركان السابق قال لشارون ان وضع الصناديق في بيته مخالفا للقانون وخصوصا ان الكثيرين يعرفون بهذا الامر حيث انهم سيقولون لانفسهم ها هو جنرال في الجيش يرتكب مخالفة انضباطية واضحة. شارون: "انا اريد ان اقول بصورة واضحة: انا لم اخذ معي ابداً وثائق عسكرية لحيازتي الخاصة في كل سنوات خدمتي. انا تلقيت هذه الوثائق وانا اقول لكم بكل صدق لم افتحها من اللحظة التي جلبت فيها وحتى الان". يادين: "انا اصدقك وهذه ليست المشكلة ولكن سلوك شخص في رتبة عالية بصورة مخالفة للقانون يؤثر على الاخرين ويثير الاعتقاد بأن هناك تميزاً بين واحد وآخر في قضية الانضباط أفلا ترى ان هناك مشكلة في ذلك؟" شارون: "انا ارى المشكلة بالتأكيد كما تراها انت. وبصدد هذه القضية يتعلق الامر هنا بأمر يرمي الى هدف واضح من اجل كتابة تقرير الفرقة الذي لم يكتب بعد" يادين: "كل واحد لا يفعل شيئاً معين لديه تفسير لذلك. انا سأسوق لك مثالا صغيرا ليس لان الامثلة قليلة وانما لأن الامر واضح وبسيط جداً: هذا مخالف لقانون الجيش وانت تتجاوز قانون الجيش عن وعي".
شارون: "ليس امامي خيار الا ان اقبل ما تقوله". بعد ذلك انتقل اعضاء اللجنة لسؤال شارون عن قضية الصحفيين الذين كانوا يتجولون بجانب القادة الكبار طوال الحرب. شارون تنصل من الادعاء بأنه تعامل مع الصحفيين شخصيا بل وادعى ان طريقة تصرف قيادة المنطقة الجنوبية خلال الحرب قد ذكرته بإدارة الحرب الاهلية في اسبانيا. لندو: "سمعنا هنا عن انك تجولت في غرفة القيادة الجنوبية مع الصحفيين الذين لا يوجد لهم اي عمل هناك وشوشوا عمل قائد المنطقة الجنوبية. سمعنا ايضا عن ظاهرة صحفي بلاط. هذا يعني ان الصورة التي يحصل عليها الجمهور هي صورة قادة كبار يديرون "حروب اليهود" ويستغلون خدمات الصحفيين من اجل ذلك" شارون: "انا لم اقم بإبقاء اي شخص لم يرسله مكتب الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي او قيادة المنطقة، والمراسلون تجولوا بالتأكيد في كل الاماكن ولكن لم اكن انا الذي جلبتهم او اخذتهم. اما بالنسبة للصورة التي سادت في القيادة فإريد ان اقول ان وصفك هو اقل جداً مما كان هناك فعلا. انا رأيت ادارة تشبه ادارة الحرب الاهلية في اسبانيا فعلا".
كما ان اللجنة تطرقت لمسألة اخرى في استجواب شارون وهي طريقة ترقية القيادة العليا في الجيش. حينئذ ايضا اثارت هذه المسألة ضجيجاً وخلافات.
اغرانت: "بالنسبة لطريقة ترقية الضباط الى درجات اعلى هناك تأثير على الانضباط لذلك ايضا. هل كنت راضيا عن الطريقة التي يقومون فيها بترقية الضباط؟ ام كان هناك سبب للمرارة فعلا التي شعر بها الضباط الذين غبن حقهم؟" في السابق خلافا لحالات خاصة استثنائية كان الافضل هو الذي يترقى وبسرعة. حسب رأي في ايامي خدمة حايم بارليف كرئيس لهيئة الاركان وديفيد اليعيزر حدث تراجع كبير في قضية تعيين القادة. كل واحد منهما بدأ يسحب اتباعه معه. جاء رئيس هيئة اركان كان في السابق في قيادة المنطقة الشمالية، وازاحوا كل الاخرين وجلبوا غيرهم من دون ان يكونوا افضل منهم، ولكنه كان معتاداً على العمل معه. هم كانوا مجموعته وهذا ما حدث مع الاخرين. انا اعترضت على ذلك وباعتباري شخصاً لم تكن لي مجموعة في اي مرة من المرات فأنا معارض شديد بهذه الطريقة" قال من اصبح بعد حين رئيسا للوزراء والذي عرف في سياقه ما يسمى بـ"طاقم المزرعة".
في ختام شهادة شارون ركز على القيمة الهامة المتمثله بعدم ترك الجنود بيد العدو. من المثير للحزن بصورة خاصة قراءة كلماته اليوم حيث يقبع جلعاد شاليط للمره الثالثة قاضيا العيد في الاسر: "محادثاتي مع المعاقل الامامية هي فصل فظيع حيث انني كنت اسمع نداءات الاستغاثة منهم" قال شارون. "هذا الامر المتعلق بإجلاء الاشخاص المحاصرين هو في نظري احد الامور الهامة جداً التي يتوجب القيام بها بصورة فورية. انا اريد فقط ان اذكر بأننا قد احتجنا في الجيش الاسرائيلي لسنوات حتى وصلنا الى الوضع الذي كرسنا فيه مبدأ عدم التخلي عن الجرحى وعدم ترك الاسرى بيد العدو. لهذه المسألة اهمية عليا" قال شارون.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.