لنتوقف عن عبادة السوق
09 تشرين الأول 2008
آريه شفيت - "هآرتس" الاسرائيلية
يوم الغفران في هذا العام هو يوم غفران اقتصادي. وبالرغم من ذلك، فان الصورة التي ظهرت من لقاء المختصين والخبراء الاقتصاديين مع تسيبي لفني وايهود باراك في هذا الاسبوع قد تطرقت ليوم الغفران في 1973، الوضع مشابه جدا تقريبا كما قال احد المختصين.
الجيش المصري صعد حتى بئر السبع، والجيش السوري هبط حتى طبريا. أما الحكومة فلم تقرر بعد ان كانت سترد وتستدعي فرق الاحتياط. في مواجهة التحدي غير المسبوق، تقف الحكومة مشلولة. نتائج الاخفاق الاقتصادي - الاجتماعي الجديد الذي يتحمل ايهود اولمرت وروني بار أون وستانلي فيشر مسؤوليته، قد لا تقل دراماتيكية عن نتائج الفشل السياسي - الامني الذي حدث في حرب يوم الغفران قبل 35 عاما.
من الجدير الاصغاء لهذا المختص نبي الغضب. قبل ثلاث سنوات توقع بصورة دقيقة الانهيار الحاصل الان في وول ستريت. وقبل عامين قدر بصورة صحيحة ان تسونامي الاقتصادي يقترب من شواطىء اسرائيل. هو ليس الوحيد في هذا الاعتقاد. هناك اليوم اختصاصيون محافظون جدا من الذين يتوقعون النبوءات السوداوية. اقتصاديون كبار لا يميلون للاراء المتطرفة يراقبون بقلق ما يحدث وما لا يحدث. من دون ان يتبادلوا اطراف الحديث فيما بينهم يحللون الازمة المالية العالمية والاخفاق الاسرائيلي الاقتصادي من خلال مفاهيم متشابهة واحيانا من خلال كلمات متطابقة. كلهم شركاء في الرأي لانه لا يوجد حتى يوم واحد لاهداره. الساعة الان حسب رأيهم هي دقيقة واحدة قبل منتصف الليل.
الفيروس هو فيروس انعدام المسؤولية والايمان المتعصب والاحمق بيد السوق الخفية. هذا الايمان الذي تحول الى نموذج ديني بعد سقوط جدار برلين، تسبب في عملية افساد السوق التي ازدادت حدة طوال عشرين عاما. المال الرخيص، والمال من دون ثمن في الالفين حول افساد السوق الى ظاهرة موبوءة ومتفشية. القيم المحافظة في وول ستريت تآكلت. البنوك التقليدية المستقرة والمزدهرة تبدلت بالمؤسسات المالية الجشعة التي لا تعرف حدودا.
الجشع تحول من عامل في اللعبة الى اسم للعبة. رأس المال الاسطوري البعيد عن الفعل الاقتصادي الحقيقي وعن القيم الاقتصادية الحقيقية ركز على ترقية نفسه واستنساخها من دون كوابح. في غياب التهديد الكابح من الاشتراكية وفي غياب الدولة المركزية التي تضع الحدود والضوابط دخلت الرأسمالية العالمية في دوامة. هي فقدت قدرتها على موازنة نفسها وتحولت الى فقاعة هذيانية فاسدة كان من الضروري ان تنفجر.
الاقتصاديون القلقون في تل ابيب ليسوا شيلي يحيموفتش ولا دوف حنين. هم لاعبو السوق المركزيون القدامى الذين شاهدوا طوال سنوات كيف يفقد السوق قيمة وزنه. وكيف يبتلع السوق الذي لا يؤمن الا بالسوق الدولة كلها ويفكك المجتمع ويسحق الطبقة الوسطى. الان آن اوان اليقظة، ووقت العقاب كما يقولون. ما حدث لن يتكرر مرة اخرى. الركود العميق الذي نزل على رأس اميركا واوروبا وروسيا سيتواصل لسنوات ويؤدي الى نظام عالمي جديد لا ينظر لقوى السوق باعتبارها وثنا يعبده.
المشكلة هي اسرائيل. جرثومة انعدام المسؤولية اصابتها ثلاث مرات. مرة في التسعينيات عندما تبنت عقيدة السوق العمياء الامر الذي ادى الى خصخصة جارفة وتجميع رأس المال الضخم بيد رأس ماليين قلائل وانشاء فجوات اجتماعية خطيرة. في المرة الثانية اخطأت اسرائيل عندما تبنت اصلاحا استباحيا لسوق رأس المال. هذا الامر ادى الى انفاق غير مضبوط للمستندات المالية الكبيرة والتي مولت في اغلبيتها نشاطات غير موثوقة في الخارج وتخمينية ملقية بظلال سوداوية على الجهاز المالي المحلي بقيمة مائة مليار شيكل.
في المرة الثالثة أخطأت اسرائيل في السنة الاخيرة عندما حافظت على فائدة عالية وشيكل قوي وسياسة ظاهرة لعدم التدخل الحكومي الامر الذي تسبب في هيمنة الرأس مال الخاص على الصناعة والقطاع الانتاجي.
هذه الاخطاء الاستراتيجية الثلاثة تنبع من الركوع لمفهوم السوق وادارة الظهر للمجتمع والنفور من الدولة. الاخطاء هذه نابعة من الوهم بأن الخاص والتجاري يمكنه أن يحل في كل قضية وكل مجال محل السياسي والعام. الاخطاء الثلاثة تشير الى أن الرأسمالية الاسرائيلية في العقود الاخيرة قد اصيبت بعدم المنطق وانعدام المسؤولية.
لن يكون هناك مفر: مثلما تدخل بنك اسرائيل بالامس، ستتدخل الحكومة ايضا. بتأخر اجرامي سيتم حشد طاقات الدولة للالقاء بها في ساحة المعركة. اسرائيل ستنزف اقتصادياً الا انها ستتغلب على ذلك. ولكن عندما سنعود من مواجهة الازمة الفورية لن يكون هناك مفر من مواجهة الشرخ القيمي. بعد أن نتغلب على فشل السوق سنضطر الى مداواة الفشل الحضاري المتمثل بالركوع والسجود للسوق. حتى يوم الغفران القادم، ستضطر اسرائيل للقيام بمحاسبة ذاتية للنفس وليس في المجال الاقتصادي فقط. سيكون على الدولة أن تعيد تحديد وتعريف المجتمع الاشتراكي ـ الديمقراطي المتوازن الذي يجمع بين قوى السوق وبين القيم الاساسية القائمة على الشراكة والنزاهة والمسؤولية.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.