التهديدات الإسرائيلية أظهرت لبنان بين فكي كمّاشة من الشمال الى الجنوب
معلومات عن تضاؤل الحشود السورية بعد تعميم الرسائل السياسية في كل اتجاه
12 تشرين الأول 2008
روزانا بومنصف - النهار
كشفت مصادر وزارية ان الحشود السورية على الحدود مع لبنان تضاءلت نسبيا وتراجعت بعض الشيء، لكن ذلك لا يعني انها لا يمكن ان تتكرر على الحدود في الشمال او في مناطق أخرى. فالرسالة التي اراد السوريون ايصالها عبر هذه الحشود قد وصلت، على رغم الالتباس الذي اكتنفها، وهو التباس قصده السوريون على الارجح باعتبار ان هذه الخطوة بمقدار ما تشكل ضغطا معنويا على لبنان، يمكن ان "تباع" في اكثر من اتجاه ومن أكثر من طرف مستعد لان يشتري.
ومعلوم ان الرئيس السوري بشار الاسد برر لنظيره اللبناني العماد ميشال سليمان الحشود بأنها لمنع التهريب من سوريا بما يتلاءم والقرار 1701 (ولم يقل تنفيذا او تطبيقا للقرار 1701، اذ لا التزام سوريا صريحا في هذا الاتجاه) وحتى منع عبور بعض العراقيين الهاربين من العدالة، مما يعني انه يمكن بيع هذه الخطوة من أكثر من طرف.
هل يعني ذلك انتهاء موضوع الحشود السورية وتفاعله المستمر منذ أسابيع؟
ليس لدى اللبنانيين، رسميين او غير رسميين، أي سبب للتشكيك في الاسباب السورية التي اعطيت لرئيس الجمهورية الذي يبدو واثقا بجدية الكلام الصادر عن الرئيس السوري. ويعتقد البعض أن الكلام على احتمال دخول سوريا الى طرابلس قد يكون أحرج رئيس الجمهورية من حيث ظهوره كمن يدافع عن الموقف السوري، بأن شيئا من ذلك لم يحصل. وسبب ذلك يتضمن أموراً عدة من بينها ان لا وضوح ولا شفافية في العلاقة الثنائية بين البلدين بقطع النظر عن مدى مسؤولية الطرفين في هذا الاطار. الا انه لوحظ ان اي توضيح او تفسير لم يصدر طمأنة للناس الذين تخوفوا من عودة القوات السورية الى لبنان في الشمال حتى بعد مرور اكثر من ستة ايام على الانتشار السوري على الحدود الشمالية. اضف الى ذلك انه اذا صحت المعلومات ان الحشود الى تضاؤل، فان ذلك تم من دون ان يعقد اي وزير او مسؤول سوري مؤتمرا صحافيا يوضح فيه، او حتى يخفف طبيعة الرسالة المتداولة التي تشكلها هذه الحشود، مما عنى بالنسبة الى المراقبين ان هذا الالتباس مقصود ويريده السوريون من اجل بيع هذه الخطوة، بحيث ترد سوريا على استفهامات البعض حول هذه الخطوة بانها لمنع التهريب وتردّ على البعض الاخر بأنها لحماية الامن السوري من الارهابيين، وعلى بعض ثالث بأنها لمنع عبور العراقيين، او بأنها مساهمة في تنفيذ القرار 1701 وما الى ذلك من اعتبارات تصلح جميعها، ويرغب الغرب في سماعها لاسباب كثيرة كل من موقعه. الا ان هذا لا يعني ان الرسالة لم تهدف الى الضغط على لبنان ايضاً، وإن لم تكن واردة عودة دمشق عسكريا، الى لبنان. فالرسالة في الاتجاه اللبناني شبيهة بما كان يقوم به الاتحاد السوفياتي مثلا قبل أوان الانتخابات في فنلندا، للتذكير بأن السوفيات موجودون ولهم مصالحهم ومستعدون للدفاع عنها. وفي مفهوم العلاقات الدولية، فان الحشود هي ضغط معنوي ونوع من الرسائل بمعانٍ متعددة، بما فيها احتمال ان تكون تهديدا في ذاته من دون ان تكون وحدها كافية للاشارة الى احتمال الاجتياح او دخول لبنان مجددا، باعتبار أن العودة الى لبنان ليست نزهة ولا خيارا مقبولا من اللبنانيين ولا من سواهم.
في أي حال، لا معلومات دقيقة ولا شفافية في التعاطي السوري وهذا الموضوع، واذا كانت أجريت اتصالات تنسيقية فعلية بين الجانبين اللبناني والسوري على الصعيد الامني فينبغي اطلاع الناس عليها وطمأنتهم، والا ادت الى اللغط الذي اثارته في الاسابيع الاخيرة، وهذا ليس في مصلحة سوريا او المدافعين عن الحشود واعتبارها حقاً سيادياً لسوريا من اجل ضبط حدودها. فهذا الحق لا يناقشها فيه احد من حيث المبدأ، ولكن كان للحشود في الشمال، تزامناً مع قول الرئيس السوري وحتى حلفاء سوريا في لبنان ان انفجارين في طرابلس يجعلان من المدينة مرتعا للارهاب، مفعول سلبي من حيث تنامي حال العداء لدمشق على المستوى الطائفي والسياسي نتيجة التخويف مجددا من العودة المحتملة لجيشها الى لبنان، وخصوصا ان لهذه الحال من العداء اصولاً لم تعالج بعد. ثم ان تزامن هذه الخطوة مع استمرار التهديدات الاسرائيلية للبنان والتي أخذها رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء في جلسة الجمعة على محمل الجد الكبير تظهر لبنان كأنه بين فكي كماشة تطبق عليه اسرائيل من جهة، وسوريا من جهة أخرى. فمن جهة اسرائيل هناك التهديدات وعبور قوة اسرائيلية الى مركز العباد بالاضافة الى ما يتداوله ديبلوماسيون نقلا عن رئيس اوروبي من ان اسرائيل قد تضرب ايران ولبنان في المدى القريب، او انها ستضرب ايران او لبنان مستفيدة من الفراغ في الادارة الاميركية والانشغال الكبير بالازمة المالية الكبيرة التي تهز الاسواق العالمية. ومن جهة سوريا هناك الحشود التي توتر اللبنانيين كما توترهم التهديدات الاسرائيلية ايضا. لذلك يتساءل المعنيون عن مدى الافادة من الاستمرار في هذا الوضع ولاسيما بعدما استنفدت الرسالة اغراضها في كل الاتجاهات.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.