من الاعصار المالي الى الأسهم السياسية
12 تشرين الأول 2008
رفيق خوري - الأنوار
ليس الاطمئنان في لبنان والشرق الأوسط سوى خداع للنفس. فلا نحن في كوكب آخر غير الذي يضربه الاعصار المالي الكوني ويدفعه الى الركود الاقتصادي والحراك السياسي. ولا استمرار الشغل كالمعتاد في حروبنا الصغيرة وهمومنا القروية الضيقة على سطح أزمات المنطقة العميقة يمنع اندفاع الاضطراب الكوني الكبير نحونا. فالعالم، كما يفيد استطلاع للرأي مع أهم 54 خبيراً اقتصادياً نشرته (الوول ستريت جورنال) محكوم بمواجهة ركود اقتصادي طويل، ولو توقف الانهيار في الأسواق المالية التي لم تستطع الإجراءات الحكومية داخل كل بلد والمنسقة بين البلدان أن تهدئها وتعيد الثقة بها لدى المواطنين الخائفين والمستثمرين المترددين. وإذا كانت (أميركا التي قادت العالم الى الأزمة مرشحة لأن تخرج منها قبل أوروبا) كما يرى جوزف جوف رئيس تحرير (دي زايت) الألمانية والزميل في معهد الدراسات الدولية ومعهد هوفر في جامعة ستانفورد، فإن العالم العربي الذي يقلل مخاطر دخوله فيها قد يكون الأخير الذي يخرج منها. و(الشيطان يأخذ الأخير في الصف) حسب المثل التركي.
ذلك أن الغرب المأزوم القلق والخائف يتحرك على مستوى القادة ووزراء المال وحكام المصارف المركزية لمعالجة الأزمة ثم للبحث عن نظام مالي كوني جديد وبالطبع عن نظام عالمي جديد بالمفهوم الجيواستراتيجي. والشرق المطمئن يلجأ كالعادة الى الغيب. ناس تقول إن الأزمة هي (عقاب من الله). وناس تصدق ما قيل إن الرئيس أحمدي نجاد يرى الفرصة جاءت لكي (يدير الايرانيون العالم).
حتى الترابط بين الأسواق المالية و(الأسواق السياسية) فإنه محجوب في هدوء الشرق. فانهيار الأسهم المالية رافقه ارتفاع الأسهم السياسية للمرشح الديمقراطي باراك أوباما وانخفاض الأسهم السياسية للمرشح الجمهوري جون ماكين.
والأزمة خدمت حظوظ رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون الذي كانت شعبيته على الأرض، إذ بدا أكثر الساسة البريطانيين خبرة في ادارة المال والاقتصاد. أما في لبنان والشرق الأوسط، فإن الأسهم السياسية لا علاقة لها بالخسائر في الأسهم المالية. إذ هي هنا ثابتة على إيقاع السياسات الطائفية والمذهبية، ولو جاعت الناس، وهي هناك أكثر ثباتاً، حيث لا مراقبة ولا محاسبة ولا تعاقب على السلطة.
لكن الأزمات الكبيرة تخلق في النهاية حراكاً سياسياً يقود الى ظهور اضطرابات وتيارات متشددة أو معتدلة. والتغيير حتمي في العالم الواقعي، ولو هرب البعض الى الغيب. فلا الاطمئنان الخادع سياسة. ولا السياسة هي مجرد الصراع على السلطة وفن البقاء في السلطة على حساب قضايا الناس.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.