يوم التقى فرنجية وجعجع للمرة الأولى

14 تشرين الأول 2008 جان عزيز - "الأخبار"



إذا نجحت المساعي القائمة على خط بنشعي ـــــ معراب، فقد تكون الأيام الأخيرة من هذا الشهر على موعد مع لقاء تاريخي، وجهاً لوجه، بين سليمان فرنجية وسمير جعجع. ولأن الشيء بالشيء يذكر، تجدر الإشارة إلى أن هذه الخطوة، في حال حصولها، لن تكون الأولى بين الرجلين، ذلك أنّ الخصمين، الأقرب إلى معادلة «وريث الجلاد، وابن الضحية»، كانا قد التقيا وتواجها، قبل أن يتواريا، مرة سابقة، قبل نيف وستة عشر عاماً.
ولذلك اللقاء الأول أكثر من عبرة ودلالة يمكن الإفادة منهما، لترقّب اللقاء الثاني، وتوقّع ما بعده.
كان ذلك منتصف حزيران من عام 1992. كان فرنجية يومها وزيراً للإسكان والتعاونيات، وكان جعجع زميلاً له بلا حقيبة، ومستقيلاً من حكومة رشيد الصلح فور تأليفها قبل شهر من ذلك التاريخ. وكانت الأجواء السائدة في البلد، بعد أحداث 6 أيار من ذلك العام وسقوط حكومة عمر كرامي، توحي أن كلّ ما يحصل هو مجرد تمهيد لمجيء رجل الأعمال اللبناني ـــــ السعودي، كما كان يوصف آنذاك، رفيق الحريري.
في تلك الفترة، كان رئيس الجمهورية إلياس الهراوي لا يزال في الرملة البيضاء نزيلاً لدى الحريري نفسه، حيث سيأتي لاحقاً، ليجد «البيت بيته»، كما شاعت الطرفة في حينه. وكان «أبو جورج» معزولاً في الشارع المسيحي، بعد أقل من عامين على 13 تشرين الأول. وسط تلك المعادلة، قيل إن الهراوي أدرك أنّ له مصلحة أكيدة في جمع كل مسيحيي «الطائف» تحت عباءته. أولاً لمحاولة الصمود في وجه المدّ الشعبي الجارف لميشال عون، وثانياً لإقامة بعض التوازن المختل في وجه الحريري الآتي بعد الانتخابات المفبركة المقبلة، بالطبل السعودي والزمر الأميركي والدعم السوري المطلق.
وجاءت المصادفة، أو المناسبة، لتعزّز حسابات أبو جورج. جمع مسيحيي الطائف يعني أولاً مصالحة فرنجية ـــــ جعجع.
والخطوة تحتاج إلى رعايتين متعاونتين: بكركي وبعبدا، علماً بأن بعبدا يومها كانت ولا تزال أنقاضاً. ومن يفترض أن يكون ساكنها، لا يستسيغ سيد بكركي. فجأة قرر الكاردينال أشيل سيلفستريني، رئيس مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان، زيارة بيروت، فاعتبر الهراوي الأمر إشارة من السماء ربما، على طريقة «... الله جابها». فسارع الرئيس إلى تنظيم استقبال في مقر إقامته في الرملة البيضاء، دعا إليه كل تركيبة السلطة، وبينها فرنجية وجعجع.
سارع جعجع إلى الاعتذار عن عدم الحضور، وأبلغ الهراوي أن وزيره في حكومة كرامي روجيه ديب سيمثّله. اغتمّ الرئيس، وقيل إن كلّ الآخرين ارتاحوا إلى تجنّب مواجهة غير مدروسة، ولا معدّة، ولا مُهّد لها كفاية.
لكن من جهة أخرى، قيل إن اعتذار جعجع كان لحسابات سياسية. فالدعوة كانت قد وجّهت إليه قبل انتخابات رئاسة حزب الكتائب التي كان يستعد لخوضها، وكان جعجع يومها متأكداً من الفوز في وجه الراحل جورج سعادة.
غير أن حسابات الحقل تبخّرت عند البيدر. تكتّل الجميع في الصيفي، ضد ابن بشرّي، سعادة وكرامة وحبيقة، وحتى الجميّل... وأسقطوه. سقطت حسابات جعجع الطموحة، وبعد أيام ركب سيارة داكنة الزجاج وذهب إلى الرملة البيضاء.
عند باب المقر الرئاسي الموقت، كانت الصدمة الكبرى: سمير جعجع هنا، توتّرت الأجواء، استاء الهراوي للمفاجأة، خشي أن يعتقد فرنجية أن القصد كان مباغتته وجعله أمام أمر واقع. لحظات قليلة لم تكن كافية لإيضاح الأمور، ثم دخل جعجع قاعة الاستقبال، فغادر فرنجية وفشلت المحاولة.
أسماء كثيرة تغيّرت بين اللقاء الذي أجهض، والآخر المرتقب، لكن المعادلات نفسها لا تزال تحكم الاثنين. ما يجعل من الأول درساً مفيداً للنجاح المنشود.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.