زيارة طهران تحقق "الفطام" عن "وهم" الغرب
14 تشرين الأول 2008
عماد مرمل - "السفير"
تشكل زيارة العماد ميشال عون الى إيران علامة فارقة بكل المقاييس والمعايير. وبمعزل عن طبيعة الاهداف السياسية الكامنة خلف هذه الزيارة، إلا انه ينبغي الاعتراف بأن حصولها في هذا الوقت بالذات، ينم عن شجاعة سياسية لدى »الجنرال«، تكاد تلامس حدود المغامرة.
يعرف »الجنرال« مسبقا ان سفره الى طهران سيثير في وجهه »أوكار الدبابير« السياسية التي تنتظر الفرصة المناسبة لـ»لسعه«، ويعرف ايضا ان الصورة التي ستجمعه الى رئيس الجمهورية الاسلامية أحمدي نجاد ستقدم الى خصومه ما يعتبرونه الدليل الحسي على صوابية الاتهام الموجه اليه حول التحاقه بالمحور السوري ـ الايراني، والاهم ان »الجنرال« يعلم جيدا ان زيارته الى إيران ستوظف بتفاصيلها السياسية والسياحية في الحملات الانتخابية لمنافسيه على الساحة المسيحية، لا سيما ان الحسابات الانتخابية بدأت تطغى على كل ما عداها، على مسافة أشهر من الاستحقاق الكبير.
وفي كل حال، لم يكن عون قد غادر لبنان بعد عندما بدأت تصل الى الرابية أصداء الهجمات العنيفة على زيارته والتي استخدمت فيها »أسلحة ثقيلة« من قبيل القول بأن الجنرال يستسهل العبث بتاريخ المسيحيين ووجدانهم ومصالحهم وتراثهم وأن الطائرة التي أقلته الى طهران إنما تسير عكس السير، وأنه ذهب الى بلاد فارس للإتيان بالمال والسلاح ولتقديم أوراق الاعتماد الى ولي الفقيه في إطار ترجمة مفاعيل تفاهمه مع حزب الله وتسديد ضريبته..
من هنا، فإن قرار عون بإدارة الظهر لكل هذه الاعتبارات والمضي قدما في »مغامرته الايرانية« يشير الى ان »الجنرال« يقارب رحلته الى طهران من زوايا للرؤية تختلف عن تلك التي يطل منها خصومه، الامر الذي قد يفسر الخلاف الحاد بين عون وهؤلاء، ليس فقط حول جدوى صداقة إيران بل حول تشخيص مصالح المسيحيين وكيفية الدفاع عنها.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل الزيارة المتعددة الابعاد للعماد عون الى الجمهورية الاسلامية عن سياق »خياره الاستراتيجي« الذي اعتمده بعد عودته الى لبنان وهو خيار ما لبث ان تبلور بشكل واضح عند توقيع وثيقة التفاهم الشهيرة مع حزب الله، قبل ان يخضع لـ»معمودية نار« ناجحة في حرب تموز والتي شكلت من وجهة نظر التيار الوطني الحر اختبارا حيا لصوابية »الرؤية« العونية، وصولا الى انتزاع قانون الانتخاب على أساس قانون الستين واستعادة التوازن في الحكومة من خلال الثلث الضامن، وهما إنجازان يندرجان في إطار حصاد ما زرعته يدا الجنرال، كما يقول محبوه.
من هنا، فإن مبادرة عون الى كسر الحاجز النفسي والايديولوجي الذي كان يفصل بينه وبين الجمهورية الاسلامية لا تعبر عن »مزاج شخصي« لجنرال متهور كما يراه خصومه، بل هي تمثل في جوهرها »معطى إستراتيجيا« من شأنه ان يترك آثارا قريبة وبعيدة المدى على الوجود المسيحي في لبنان والشرق، وبالتالي فإن المطلعين على حيثيات الزيارة وخلفياتها يؤكدون انها تحمل معاني ودلالات تتجاوز الزواريب اللبنانية ومعادلاتها، ومن الخطأ مقاربتها على قاعدة التفاصيل المحلية التقليدية، المرتبطة بالانتخابات النيابية او بالتجاذبات الداخلية.
ولعل أهم ما في هذه الزيارة انها تحقق، وبشكل نهائي، »فطام المسيحيين« ـ او أقله أولئك المؤيدين لعون ـ عن »وهم« الرعاية الغربية، لتعيد تموضعهم في الشرق الاوسط وفق قراءة جديدة تقول بأن الوقائع التاريخية وتحديدا منذ معركة القسطنطينية تشير الى ان المسيحيين كانوا يعتقدون بأن حقوقهم في المنطقة تكون محفوظة بقدر ما يتماهون مع العالم الغربي ويوفرون الحضانة لمصالحه، فيما كان هذا الغرب يستفيد من حاجته اليهم ليستخدمهم وقودا لمعاركه وسياساته التي كانوا يدفعون ثمنها حروبا أهلية وهجرات متكررة.
وحسب العارفين بما آلت اليه »تأملات« عون، فإن الاخير قرر ألا يستنسخ تجارب غيره، مستفيدا من دروس الماضي، فجاء قراره بالانفتاح على محيطه اللبناني والمشرقي، من خلال التفاهم مع حزب الله والالتزام بقضايا شعوب المنطقة. ويُنقل عن عون قوله في هذا السياق ان تفاعله مع البيئة التي ينتمي اليها إنما هو بالدرجة الاولى ترجمة لما ورد أصلا في الارشاد الرسولي »الذي كنت شريكا في إنتاجه عبر الحوارات التي حصلت في الفاتيكان«.
ويعتقد عون انه بقدر ما يحمل مسيحيو الشرق لواء قضاياه، يستطيعون التجذر في أرضهم وحماية حقوقهم، وهذا برأيه ما أثبتته وثيقة التفاهم التي تم اختبار جدواها عمليا في معركة إقرار قانون الانتخاب ومواجهة التهميش في الحكومة، بينما لم تتمكن أي قيادة مسيحية أخرى او أي خارطة طريق مختلفة من تحصيل هذين المكسبين.
وأبعد من لبنان، هناك من يرى في عجز الولايات المتحدة الاميركية عن تأمين بقاء مسيحيي العراق في ارضهم، بالحد الادنى، »العضو الاهم« في الوفد المرافق للجنرال في زيارته الى إيران، إذ ان ارتفاع موجات الهجرة المسيحية الى حدود معدلات قياسية لا سابق لها برغم الوجود المباشر والقوي للجيش الاميركي، من شأنه ان يمنح مبررا قويا لدوافع الذهاب الى طهران القريبة بدلا من البحث عن مصالح المسيحيين لدى الادارة الاميركية او العواصم الاوروبية خلف البحار.
وانطلاقا من فلسفة وجوب استعادة الدور الريادي للمسيحيين في الشرق الاوسط وتفعيله في المجالات كافة، على قاعدة تعميم التجربة الحسية في لبنان، يزور عون الجمهورية الاسلامية من دون الشعور بأي عقدة نقص وفق ما يؤكده العارفون بكواليس الزيارة. وحسب المعلومات، فإن عيني عون ستتوزعان خلال الزيارة بين واحدة على إيران وأخرى على مسيحيي العراق الذين باتوا الهاجس الاكبر بالنسبة اليه، وهو سيناقش مع المسؤولين الايرانيين السبل المتاحة للنهوض بوضعهم وإعادة تفعيل حضورهم في الحياة السياسية والمصالحة الوطنية.
ويبدو أن من الافكار المطروحة لـ»إنقاذ« مسيحيي العراق، تنظيم مؤتمر لهم وعنهم في بيروت، برعاية عون، بعدما تكون الاتصالات مع المسؤولين العراقيين والمعنيين الآخرين قد هيأت الظروف الضرورية لانجاحه، بحيث تنتج عنه آلية واضحة لتفعيل شراكة المسيحيين في مختلف المجالات، وخصوصا على صعيد العملية السياسية.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.