علاقة "المساكنة" الطويلة تتحول شرعية بين لبنان وسوريا

16 تشرين الأول 2008 مارلين خليفة - "السفير"



يبدو تشرين الأول فأل خير على العلاقات اللبنانية السورية ففي العاشر من هذا الشهر عام ١٩٤٣ قدّم رئيس الوزراء السوري سعد الله الجابري في مؤتمر الإسكندرية لمباحثات الجامعة العربية مذكرة رسمية اعترف فيها باستقلال لبنان بحدوده الحاليّة.
وبعد ٦٥ عاما أصدر الرئيس السوري بشار الأسد في الرابع عشر من تشرين الأول المرسوم القاضي بإنشاء علاقات ديبلوماسية بين بيروت ودمشق واستحداث سفارة سورية في العاصمة اللبنانية.
عام ١٩٤٣ اعترفت سوريا بالاستقلالية الجغرافية للبنان متنازلة عن مطالبها باسترداد الأقضية الأربعة بعلبك والبقاع وطرابلس وصيدا ومرجعيون وصور التي سلخها من سوريا اتفاق سايكس بيكو الذي نتج عنه إنشاء دولة لبنان الكبير عام .١٩٢٠ أما عام ٢٠٠٨ فتعترف سوريا باستقلال لبنان السياسي، وما بين الاعترافين أعوام ملأى بالتوترّ وانعدام الثقة بين بلدين تحكمهما الجغرافيا السياسية حكما مبرما.
عنجر ثانية؟!
يسبغ نائب رئيس مؤسسة عصام فارس للدراسات الباحث الدكتور رغيد الصلح »معنى رمزيا« على الخطوة السورية تجاه لبنان.
لن يغيّر القرار السوري الكثير في العلاقات بين البلدين بحسب قراءة الصلح: »ليس بالضرورة أن تزيد الثقة المتبادلة، لم تمنع العلاقات الديبلوماسية السويّة حروبا بين بلدان عدّة«.
حتى انخفاض مستوى التدخّل السياسي في شؤون لبنان السياسية لا يراه الصلح حتميا: »أحيانا قد تتحول السفارات الى مراكز تدخّل مباشر«، متسائلا: »ما الذي يمنع أن يتحوّل التدخّل عبر الحدود السورية اللبنانية الى السفارة السورية في بيروت التي يمكن أن تتحول بدورها الى عنجر ثانية؟«.
لكنّ الصلح يضيف: »الظاهر أن النوايا السورية في اتجاه لبنان لا تصب في هذه الخانة، أسباب عدّة تحول دون ذلك في مقدّمها انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وتشكيل حكومة ائتلافية تضم المعارضة مما ولّد طمأنة لدى السوريين بأنّ لبنان لن يكون مركزا لصفقات وعمليات قد تهدد نظامهم وأمنهم والعكس صحيح لبنانيا«.
رسالة طمأنة للمسيحيين
من جهته، يعتبر رئيس حزب الكتائب سابقا المحامي كريم بقرادوني بأنّ قرار الرئيس السوري كان متوقعا عام ٢٠٠٥ بناء على اجتماع اللجنة اللبنانية السورية العليا، حين طرح الرئيس بشار الأسد حينها فكرة التبادل الديبلوماسي مع لبنان، وكان سبق له أن قرر عام ٢٠٠٠ وفور تسلّمه رئاسة الجمهورية زيارة بيروت في خطوة أرادها للتأكيد على اعتراف سوريا بسيادة لبنان واستقلاله. تأجلت الزيارة بسبب الحملة التي قامت ضدّ سوريا في حينها لكنها تمّت عام .٢٠٠٢
بالتالي يربط بقرادوني بين زيارة الرئيس السوري عام ٢٠٠٢ وقرار التبادل الديبلوماسي عام ٢٠٠٨ مستنتجا بأنّ »همّ الرئيس السوري منذ توليه الحكم هو طمأنة اللبنانيين بأن لا أطماع سورية بضمّ لبنان أو جزء منه«.
يضيف: »إنها قاعدة ثابتة أرادها الرئيس السوري منذ لحظة تسلّمه الحكم وجاءت ظروف معاكسة أرجأت الزيارة كما زيارة عام ٢٠٠٠ واجلت ايضا الاعتراف الدبلوماسي عام ٢٠٠٥ وهذا ما تحقق بالأمس«.
ويحلل بقرادوني: »أعتقد بأن لا لبناني بعد اليوم يشكك بأنّ سوريا تعترف بالكيان اللبناني وبالحدود بين البلدين«.
ماذا عن ترسيم الحدود؟
يجيب بقرادوني: »يعود هذا الموضوع الى عام ٢٠٠٥ وهو مطروح مجددا. الشرط السوري الوحيد هو أن يتمّ الترسيم من الشمال الى الجنوب وليس من مزارع شبعا الى الشمال. إنه موقف مبدئي للرئيس السوري بأنه لا يقبل ترسيم حدود واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. لذا أتوقع أنه كما جرى فتح السفارة بين لبنان وسوريا فإن الرئيس السوري مصر على ترسيم الحدود بين الدولتين والأمر يتعلّق بقبول الحكومة اللبنانية بأن يبدأ الترسيم من الشمال ولا يتمّ في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا«.
أما عن انعكاس قرار فتح سفارة بين البلدين على العلاقات بين سوريا ومسيحيي لبنان الذين كانوا أول من رفع هذا المطلب زمن الوصاية السورية فيقول بقرادوني: »أنا على يقين بأن أحد دوافع إصرار الرئيس السوري على فتح سفارة في لبنان هو طمأنة هواجس المسيحيين الذين يتخوّف بعضهم ويخوّف بعضهم الآخر من جراء فكرة عدم اعتراف سوريا بلبنان وهذا القرار الأخير هو رسالة سورية مباشرة للمسيحيين دون سواهم من اللبنانيين لأن هذا المطلب هو مسيحي مزمن وكان الرئيس يرغب بتلبيته قبل ٨ اعوام وعاكسته الأمور«.
العلاقات بين مدّ وجزر
ثمة خصوصية تاريخية واستراتيجية بين لبنان وسوريا وخصوصا أن البلدين وبحسب ما يذكّر السوريون دوما كانا ينتميان إلى دولة واحدة تشكّل جزءا من الإمبراطورية العثمانية حملت تسمية »سوريا العظمى«، لكن في عام ١٩٤١ أعلنت السلطات الفرنسية انتهاء الانتداب لكلّ من سوريا ولبنان على التوالي معترفة باستقلالهما.
عام ١٩٤٣ أعلنت الحكومة السورية الأولى وفي العام ذاته أعلن لبنان استقلاله لكن مذ ذاك لم تتم أية علاقات ديبلوماسية رسمية بين البلدين.
وجود علاقات ديبلوماسية بين بلدين هو أمر طبيعي لكنّ السؤال لماذا لم تنوجد علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا؟
يجيب الدكتور رغيد الصلح بأنّ »الفكرة السائدة سلّمت بوجود »علاقات خاصة« بين البلدين مدعّمة باتفاق ضمني بين النّخب الحاكمة في سوريا ولبنان«.
وعلى نغمة العلاقات المميزة حلّت في العهود الاستقلالية الأولى الكثير من الأمور العالقة على الهاتف، كما أن الرئيس كميل شمعون أسهم باتصالاته وعلاقاته الوطيدة مع إنكلترا بحلحلة أمور عدة عالقة بين سوريا والمملكة المتحدة قبل فتح سفارة سوريا في لندن.
يذكر بأنّ الميثاق الوطني اللبناني تضمّن عام ١٩٤٣ بندا تتعهّد بموجبه السلطات اللبنانية بألا تستخدم أراضيها مقرا أو ممرا لأعداء سوريا.
عام ١٩٤٩ قام حسني الزعيم بانقلابه ضدّ النخبة السياسية السورية التي كانت على وفاق مع النخبة السياسة اللبنانية، وكانت الكتلة الوطنية السورية بزعامة شكري القوتلي وسعد الله الجابري وهاشم الأتاسي ترتبط بعلاقات جيدة مع السياسيين اللبنانيين، هذا الانقلاب شكّل محطة مهمّة جدا على طريق انقطاع العلاقات الودية بين البلدين، إذ راح حسني الزعيم يتدخل في شؤون لبنان البلد المتمتع بنظام حر بعيد من الديكتاتورية العسكرية.
يقول الرئيس سامي الصلح في مذكراته بعنوان »سامي الصلح.. العبث السياسي والمصير المجهول«: أنّ »العلاقات اللبنانية السورية استمرّت بالتدهور بين عامي ١٩٥٦ و١٩٥٨ ونتج من ذلك بعض المشاكل الحدودية الحادّة عندما أقدمت السلطات السورية على إنشاء مخفر للدّرك ومخفر آخر للمجاهدين في مزارع شبعا، كما أفادت المراجع الأمنية اللبنانية وقد أنذر سكان مزارع شبعا (أيلول ١٩٥٧) من السلطات السورية بوجوب تقديم بيانات عائلية تتضمّن قبولهم الهوية السورية بدلا من اللبنانية«.
عام ١٩٥٦ إثر الاعتداء الثلاثي على مصر انعقدت قمّة عربية لاتخاذ موقف من العدوان فحصلت مجابهة بين الرئيس اللبناني كميل شمعون والسوري شكري القوتلي على خلفية اتخاذ القمة لقرار قطع العلاقات الديبلوماسية مع إنكلترا وفرنسا، عارض لبنان هذا القرار فيما أيده السوريون، هذا التباين في السياسة الخارجية أفضى بعد عامين الى ثورة عام ١٩٥٨ الدامية بين اللبنانيين وقد لعب وزير الداخلية السوري العقيد عبد الحميد السرّاج دورا مميزا في التدخلات في الشؤون السياسية اللبنانية وفي اندلاع شرارة هذه الحوادث.
بعد توترات شهدها عهد الرئيس كميل شمعون نظرا الى دخوله في تحالف مع الغرب عادت العلاقات واستقرت بين لبنان والجمهورية العربية المتحدة التي ضمت سوريا ومصر (عام ١٩٥٨) بحيث اتفق الرئيس فؤاد شهاب مع الرئيس جمال عبد الناصر على احترام حرية لبنان الكاملة كدولة مستقلة، أما في ما يتعلق بالسياسة الخارجية فلا يجوز للسلطة اللبنانية اتخاذ أي قرار إلا بعد التنسيق المسبق مع سلطات الجمهورية العربية المتحدة.
الوفاق الشهابي الناصري وتر العلاقات اللبنانية السورية بعد الانفصال وبرز الأمر جليا أثناء انعقاد مؤتمر الجامعة العربية في منطقة شتورة عام ١٩٦٢ إذ عمد الوفد السوري الى مهاجمة مصر عبد الناصر بقوّة مما دفع بالوفد المصري الى الانسحاب من المؤتمر، كذلك برزت حوادث أمنية على الحدود اللبنانية السورية بين المخافر المتقابلة.
استمر التوتر السوري اللبناني طيلة عهد عبد الناصر الذي فضله اللبنانيون على جارتهم اللدودة وقد ارتاب السوريون من دور السفارة المصرية في بيروت يرئاسة السفير عبد الحميد غالب مما دفع برئيس الحكومة السورية بشير العظمة في آب عام ١٩٦٢ الى المطالبة بتمثيل ديبلوماسي بين لبنان وسوريا في مواجهة التمثيل »الديبلوماسي الضخم بين مصر ولبنان« إلا أنّ الرئيس رشيد كرامي رفض هذا المطلب خشية أن يصبح لبنان ساحة صراع بين سوريا ومصر.
تزامن ذلك مع وصول حزب البعث والرئيس حافظ الأسد الى السلطة واستمرت ورقة إقفال الحدود ضاغطة واتهمت الحكومة السورية السلطات اللبنانية بإقامة معسكرات تدريب للناصريين والمعارضين للسوريين.
ثمّ دخلت قوات سورية الى منطقة عنجر في ١٩ تشرين الأول عام ١٩٦٣ مشتبكة مع الجيش اللبناني ما أدى الى مقتل أربعة جنود لبنانيين والى خرق الحدود اللبنانية في أكثر من منطقة في اعتداءات اعتبرها الرئيس رشيد كرامي »عدوانا سافرا«.
شهدت العلاقات مدّا وجزرا بين هدوء وتوتّر الى حين اندلاع الحرب الأهلية عام ١٩٧٥ بعد اتخاذ المقاومة الفلسطينية لبنان منطلقا لعملياتها ضدّ إسرائيل إثر طردها من الأردن عام .١٩٧٠
انقسم البلد بين الجبهة اللبنانية المناهضة لهذه المقاومة والحركة الوطنية المؤيدة لها والتي خاضت حروبا ضد سوريا في المناطق »الشرقية« كما درجت تسميتها مما دفع بالرئيس اللبناني السابق سليمان فرنجية الى الطلب من سوريا التدخل لوقف الاقتتال الداخلي.
كان ذلك الضوء الأخضر لدخول سوريا الى لبنان بقرار إجماعي صدر عن مؤتمر القمة العربي الذي عقد عام ١٩٧٦ ونصّ على إرسال قوات ردع عربية الى لبنان بهدف إنهاء الحرب الأهلية تشكل القوات السورية عمودها الفقري.
سوريا في لبنان و...خارجه
ما لبثت القوات العربية أن انسحبت تدريجيا وبقي السوريون ورسّخ بقاءهم احتلال إسرائيل لجنوب لبنان عام ١٩٧٨ بحجة توجيه المقاومة الفلسطينية ضرباتها إليها من هذه الأرض. ثم اجتاحت إسرائيل الأراضي اللبنانية كلها من الناقورة جنوبا الى العاصمة بيروت شمالا عام ١٩٨٢ ولم تخرج منها إلا بعد تفاهمات دولية خرج بموجبها ياسر عرفات ورجاله من المقاومة الفلسطينية بشكل كامل من لبنان. نتيجة لهذا الموقف عادت القوى الوطنية اللبنانية إلى التمسّك ببقاء القوات السورية من أجل دحر أي عدوان إسرائيلي جديد، في ما دعت قوى أخرى الى »محاربة الاحتلال السوري« وفي طليعتها »القوات اللبنانية« ثمّ العماد ميشال عون الذي شنّ حربا للتحرير عام ١٩٨٩ انتهت بنفيه الى فرنسا على مدى ١٥ عاما.
شكلت الحرب العراقية على الكويت عام ١٩٩١ مفصلا جديدا أحكم قبضة سوريا على لبنان إثر انكفاء العنصر العراقي من السياسة اللبنانية وتمثل ذلك في اتفاق الطائف الذي وقع بمباركة أميركية سعودية وسورية.
بعد خروج إسرائيل من لبنان عام ٢٠٠٠ صارت سوريا قوة بلا منازع بغطاء غربي واضح. لكنّ الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب أعاد الى الواجهة الحديث عن ضرورة خروج الجيش السوري من لبنان بعد ثلاثة عقود تدخلت فيها سوريا في تفاصيل الشؤون اللبنانية من تعيين الوزراء واختيار النواب إلى التمديد لرئيس الجمهورية وتعديل الدستور إلى تدخلات أمنية تطارد الفئات المعارضة لها وخصوصا المسيحيين الذين رفعوا الصوت ضدّها، وقد أصدر مجلس المطارنة الموارنة في أيلول عام ٢٠٠٠ بيانه الشهير الذي دعا فيه الى خروج السوريين من لبنان. الجدير ذكره أنّ البلدين وقعا بين عامي ١٩٩١ و٢٠٠٤ لـ١٣٦ اتفاقا وبروتوكولا في المجالات المختلفة بحسب إحصاء أجرته مؤسسة »الدولية للمعلومات« في آب الفائت. هذه الاتفاقات عقدت في ظلّ »معاهدة الأخوة والتنسيق« بين البلدين.
انقلبت الأوضاع رأسا على عقب إثر اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في ١٤ شباط عام ٢٠٠٥ ، فاضطرت سوريا للانسحاب من لبنان بفعل الضغوط الدولية التي أوجبت تطبيق القرار ١٥٥٩ الصادر في أيلول ٢٠٠٤ والمطالب بخروج الجيش السوري من لبنان.
ثلاثة أعوام من التوترات الداخلية اللبنانية التي أعقبت الانسحاب السوري القسري أبرزت دور سوريا المؤثر في الداخل اللبناني. وبعد عزلة أميركية وأوروبية شديدة عادت سوريا إلى واجهة الحدث إثر زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لها في تموز الفائت وانتعاش التبادل الأميركي والأوروبي مع أركان النظام السوري مما انعكس إيجابا على لبنان مع باكورة افتتاح سفارة بين البلدين.

 




Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.