العلاقات الدبلوماسية مع سوريا إنجاز في مرمى السياسيين
16 تشرين الأول 2008
روزانا بومنصف - "النهار"
بالنسبة الى تاريخ العلاقات بين لبنان وسوريا يشكل بيان اعلان انشاء السفارتين تتويجا لافتتاح علاقات ديبلوماسية بينهما "وفقا لاتفاقية فيينا" كما جاء في البيان الصادر عن وزيري الخارجية في البلدين امرا ايجابيا جدا وانجازا تاريخيا في دلالته الرمزية سياسياً، الا ان الحماسة ليست كبيرة في الوقت نفسه، اذ ان حلفاء لسوريا في قوى 8 اذار يحاولون ان يخففوا من اهمية هذه الخطوة وعدم اعطائها حجما ابعد من حجمها الطبيعي باعتبار انها ليست نهاية المطاف بل بدايته واي شيء لم يحصل بعد. وبعض هؤلاء يقدر ان لبنان قد يدفع عمليا الثمن لقاء ما دفع اليه سوريا باعتبار ان هذه الخطوة من فرنسا تحديدا ومن العالم الغربي بأسره من اجل خروج سوريا من العزلة التي فرضت عليها منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005. وبعضهم الاخر يعتبر الخطوة من دون معنى لان العلاقات مع سوريا كانت دوما صعبة ومن غير المستبعد ان تحصل امور كثيرة قبل الوصول الى فتح سفارتين في كل من بيروت ودمشق. وثمة من يخشى الحقيبة الديبلوماسية التي يمكن ان تشكل غطاء لادخال ما كان متعذرا ادخاله لبعض الوقت في الاعوام الماضية ومن دون امكان اي رقابة نتيجة للحصانة الديبلوماسية. والخطوة لا تعتبر منتهية ايضا او حتى نهائية، ليس لان ثمة خطوات اخرى لا تحتاج الى التنفيذ على ما اوضحت بيانات الدول المرحبة كفرنسا والولايات المتحدة الاميركية التي طالبت في الوقت نفسه بترسيم الحدود وحل موضوع المفقودين مثلا، على رغم الاشارة بوضوح الى هاتين النقطتين، بل لان فتح السفارة لا يزال يحتاج الى جهد كبير وتاليا الى اخذ وردّ قد يكونان صعبين.
فمع بدء العد العكسي لتنفيذ خطوة اطلاق العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، لن يكون سهلا مع سوريا كما مع سائر سفارات الدول الاخرى اختيار موقع السفارة ولا السفير السوري المرتقب في لبنان او السفير اللبناني الذي سيتم تعيينه في العاصمة السورية، او احتمال طلب فتح مكاتب او قنصليات في المدن اللبنانية، مع ان ذلك يخضع لمبدأ المعاملة بالمثل وان مكتبا او قنصلية لبنانية في اي من المدن السورية لا تبلغ في اي حال مستوى مكتب او قنصلية سورية في اي مدينة لبنانية، وهذه تفاصيل في غاية الاهمية وتكتسب معاني مختلفة ترتبط بذكريات اليمة بالنسبة الى اللبنانيين وبتحفظات بعضهم وحساسية بعضهم الاخر وحماسة آخرين، وكذلك بالنسبة الى شخصية السفير. ويتداول بعض الاوساط السياسية في لبنان اسماء مرشحين محتملين لشغل هذين المنصبين من خارج السلك الديبلوماسي وتمرر على بعض البعثات الديبلوماسية العاملة في لبنان على سبيل رصد ردود الفعل من جهة، وربما الضغط على افرقاء لبنانيين معينين من جهة اخرى من اجل القبول بهذه الاسماء وبعض اصحابها وزراء سابقون محسوبون على سوريا ومرشحون لان يكونوا سفراء لديها مع اصرار يتم تناقله في المقابل على ان يكون السفير اللبناني العتيد في دمشق من الطوائف المسيحية حصرا وضرورة، بما ذكر بعضهم بأن السفير اللبناني تعينه الحكومة اللبنانية وليس السورية مع ترشيح مثل هذه الاسماء. وهذان الاخذ والرد مماثلان لما جرى في شأن الاتفاقات بين لبنان وسوريا وعدم وجوب فتح ملف احتمال اعادة النظر فيها قبل اقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين لئلا تتخذ سوريا من اعادة درس الاتفاقات المعقودة بين البلدين، ذريعة لتأخير تبادل العلاقات الديبلوماسية، مع انه يرجح صعوبة فتح هذا الملف في المدى المنظور لاعتبارات اخرى الى درجة يمكن معها القول ان هذا الملف قد لا يفتح مجددا ابدا.
وهذا الامر برمته يبدو كأنه يثير اشكالية من حيث مطلب اللبنانيين الملح والتاريخي بحصوله، واعتراف سوريا بكيانية لبنان كبلد مستقل، والتخوف من توظيف سوريا ذلك من اجل تشريع نفوذها مجددا في لبنان على ما حصل مع اعادة استقبال الرئيس السوري بشار الاسد الى الواجهة الاعلامية سياسيين لبنانيين على قاعدة ان سوريا مرجعية لهم او لقرارهم . وهذا امر لا ترى عواصم الدول الاوروبية المعنية جوابا عنه سوى في احترام السياسيين اللبنانيين مبدأ التبادل الديبلوماسي واصوله والامتناع عن العودة الى السابق حين كانت سوريا لا تزال تدير الامور في لبنان من دون التخلي عن الصداقة معها.
في اي حال لفت كثيرين توقيت اصدار الرئيس السوري المرسوم الذي يقضي بإقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان غداة عودة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من زيارة للمملكة العربية السعودية وهم يسعون الى معرفة اذا كان هذا التوقيت يتصل بتوجيه رسالة ايجابية الى الرياض على طريق اعادة رأب الصدع بين البلدين. ذلك ان المسؤولين في المملكة قالوا بوضوح ان توتر العلاقات العربية يتصل بالتدخل في لبنان وان رفع اليد عنه يساهم ايجابا في اعادة هذه العلاقات. وقرار سوري من هذا النوع لا يمكن الا ان يلقى ترحيبا مبدئيا ايا تكن المراحل والصعوبات التي سيمر بها حتى يصبح نهائيا.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.