أبعد من إقامة علاقات دبلوماسية
16 تشرين الأول 2008
رفيق خوري - "الأنوار"
الحدث في بيروت ودمشق، والحديث يتجاوزهما الى عواصم المنطقة والعالم. لا صوت يعلو على صوت الترحيب بالحدث. ولا شيء يكمل الحديث عن الأدوار المتعددة في التوصل اليه سوى تحميل التاريخ والجغرافيا المسؤولية عن التأخر في حصوله. فما كان يجب ان يكون بطبائع الأمور خطوة عادية في أربعينات القرن العشرين بعد مشاركة البلدين في معركة الاستقلال عن فرنسا، صار خطوة استثنائية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: اقامة علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا. وما هو في باب الادارة التقنية أو الكلاسيكية للعلاقات منذ اتفاق فيينا للعلاقات الديبلوماسية، يتم تحميله، بفعل الرواسب والذكريات والحساسيات، مضامين أكبر منه بكثير.
ذلك ان لبنان وسوريا شهدا خلال عقود كل أنواع العلاقات، باستثناء العلاقات الديبلوماسية. بعضها ايجابي، وبعضها الآخر سلبي: عملة واحدة ومصالح مشتركة وتنسيق سياسي وتبادل زيارات على أعلى المستويات في السنوات الأولى بعد الاستقلال.
مشاركة في تأسيس الجامعة العربية أنهت شروط خليل مردم بك على عضوية لبنان. قطيعة اقتصادية بسبب الاختلاف في السياسات الصناعية والتجارية للبلدين. قطيعة سياسية واغلاق حدود في بعض الأحيان. دخول عسكري سوري خلال الحرب. ادارة سورية مباشرة للبنان بعد اتفاق الطائف. قيام نوع من (الكونفيديرالية) بين البلدين عبر معاهدة (الأخوة والتعاون والتنسيق) والمجلس الأعلى ومئات الاتفاقات. خروج سوريا عسكريا عام .2005 وحدوث نوع أقرب الى اللاعلاقات منه الى العلاقات، حيث بقي كل شيء معلقاً في الهواء. لا هو معمول به. ولا هو ملغى، ولا هو موضع تعديل. وفي كل الأحوال، فان العلاقات بين الشعبين الشقيقين كانت أوسع من العلاقات بين الدولتين وأعمق.
الآن تبدأ مرحلة جديدة، وراءها أمور كثيرة في حاجة الى مراجعة واعادة نظر، وأمامها مهام عدة على طريق طويل. فمن الوهم اختصار العلاقات اللبنانية - السورية بتبادل التمثيل الديبلوماسي الذي وصلنا من دون المرور فيه الى محطة أبعد هي اقامة المجلس الأعلى، بحيث تبدو الخطوة مثل الخطوبة بعد الزواج أو بعد الطلاق. واذا كان من الطبيعي التمييز بين الأحجام والأدوار، فان توازن المصالح هو الأساس الذي تقوم عليه (العلاقات الأخوية المميزة ضمن الاحترام المتبادل لسيادة كل منهما واستقلاله) على حد التعبير الوارد في البيان المشترك الذي صدر في وقت واحد في العاصمتين.
ولا مجال للاستمرار في الالتباس. فالمهمة الملحة أمام المسؤولين هي البحث في مضمون العلاقات وجوهرها. والباقي هو حسن الادارة اليومية للعلاقات في الاطار الثنائي كما في الاطار العربي العام.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.