"معجزة" العلاقات الدبلوماسية
16 تشرين الأول 2008
علي الأمين - "صدى البلد"
ربما كان الرئيس نبيه بري محقا عندما ضرب مثلا انشاء العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسورية، باعتباره احدى معجزات التوافق اللبناني، لان حليف سورية الاول في لبنان منذ 3عقود تقريبا، يدرك ان الخطوة السورية التي خطاها الرئيس الشاب بشار الاسد، لم تكن تخطر في بال والده الراحل الرئيس حافظ الاسد، كما لم يكن خيال اللبنانيين يصل الى حد ان يحلموا بان توافق القيادة السورية على التعامل مع لبنان "الشقيق" اسوة بالتعامل مع الاشقاء العرب الآخرين. سواء تلك الامارات، او الدول الصغيرة او تلك الممالك والجمهوريات العربية الكبيرة في مساحتها الجغرافية او الديموغرافية. ويعرف معنى ان يستكمل اللبنانيون رغم كل شيء مسيرة الاقرار الكامل بشرعية هذه الدولة التي استطاع شعبها ان يحقق المعجزات سواء في تحرير ارضه من الاحتلال الاسرائيلي، وفي التخلص من الوصاية السورية تمهيدا لمرحلة جديدة من العلاقات الاخوية التي يتمناها الشعبان اللبناني والسوري. كما يشعر في قرارة نفسه، ان اللبنانيين بالغوا في التعريض بالنظام السوري، بقدر جهلهم بـ "معجزة" الانسحاب السوري من لبنان.
فلبنان في ثقافة بعض العروبيين هو خطأ تاريخي يجب تصحيحه، وهي ثقافة ابتلي بها لبنانيون وسوريون وآخرون، علما ان البديل الذي كان يقدمه هؤلاء من الجمهورية اللبنانية التي نشأت في العام 1920 بإرادة فرنسية ولبنانية، دولة تتراجع فيها الحياة الديمقراطية النسبية، لحساب مقاطعة تدار من قبل اجهزة المخابرات، وهو ما خبره اللبنانيون طيلة عقد ونصف من مرحلة ما بعد اتفاق الطائف على الاقل، حيث قدم الاشقاء في القيادة السورية نموذجا في العلاقة مع لبنان لا يغري بالاتباع، بل ولد آثارا سلبية اساءت لمفهوم التعاون والتنسيق بين بلدين عربيين جارين. لذا ليس هناك اي لبناني اليوم حتى المتهمون بالولاء للنظام السوري في لبنان، يطلب في سريرته او يتمنى عودة الجهاز الامني السوري الى لبنان كما كانت عليه الحال قبل جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. على ان رسالة وزير الخارجية وليد المعلم العلنية امس الى الرئيس فؤاد السنيورة حيال عدم الحاجة الى توجيه دعوة اليه لكي يزور دمشق، توحي بعدم قدرة حتى الدبلوماسي السوري الاول ان يتعامل مع رئيس حكومة لبنان من دون اي استعلاء..(!)
ثمة اجماع لبناني على رفض عودة الوصاية السورية الى لبنان، وهذا لا يعني ان الجيش السوري يستجمع قواه للعودة الى لبنان على الاقل في المدى القريب. وساهم التحرك الفرنسي الى جانب نضالات اللبنانيين سواء في 14 اذار او لدى بعض اركان قوى 8 آذار في اقرار التبادل الدبلوماسي، خصوصا التراث النضالي للتيار الوطني الحر صاحب الفضل في اطلاق معركة تحرير لبنان من التحكم السوري في العام 1989، وصولا الى دوره المؤثر في استصدار القرار الدولي 1559 ومساهمته في ما سبق من قوانين وقرارات صدرت عن الكونغرس الاميركي على هذا الصعيد.
في موازاة الخطوة الدبلوماسية تجاه لبنان وتمهيدا لها، كانت الاجهزة الرسمية الامنية وغيرها، تقوم بعملية ابعاد مباشر وغير مباشر لمعارضين سوريين مقيمين على الاراضي اللبنانية، رغم ان السمة المدنية غير الامنية تغلب على هؤلاء المعارضين، مثل مأمون البني او بعض انصار عم نائب الرئيس السوري السابق رفعت الاسد، ويعتقد ان هذه الاجراءات اتت نتيجة تنسيق بين اجهزة الدولتين، خصوصا ان مدير المخابرات الجديد في الجيش اللبناني العميد ادمون فاضل التقى في دمشق نهاية الاسبوع الماضي مسؤولين سوريين في اطار التنسيق بين الدولتين. ويترجم هذا المناخ الجديد من التعاون بين الدولتين الى جانب ما تقدم من عوامل دولية ونضالية، الدور العميق لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، الذي يدير بحرفة عالية وبتوازن دقيق مكاييل السياسة اللبنانية، بامتداداتها الاقليمية والدولية.
لقد اثبت الرئيس سليمان حتى الآن انه وهو يذهب الى دمشق او واشنطن او الرياض لا يغيب عن باله حضور اقليمي ودولي آخر في لبنان، وفي ملف العلاقات اللبنانية السورية نجح في استخدام التناقضات السياسية الاقليمية والدولية لصالح لبنان، كما استخدمت ضد هذا الوطن في كثير من الاحيان
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.