عين الحلوة على كف الترقّب

17 تشرين الأول 2008 غسان سعود - "الأخبار"



قبل عشرة أيام، كان أهالي مخيم عين الحلوة يسخرون من السيناريوات التي تتوقع عملاً عسكرياً كبيراً ضمن مخيمهم. اليوم، صغير عين الحلوة وكبيره يتوقع «حادثاً أمنياً ما» في المخيم. وقد تراكمت خلال الأيام الماضية، بعد نفي النائبة بهية الحريري ما تناقلته بعض القوى الفلسطينيّة عن كلام لها يتعلق بتحركات مشبوهة في المخيم، أربعة معطيات أساسيّة تصب في اتجاه الإعداد المعنوي لعمل عسكري:
1ـــــ تسريب بعض المصادر الأمنيّة للإعلام أن التحقيقات الأوّليّة مع المجموعة الشماليّة المتهمة بإعداد تفجيرات الشمال الأخيرة وتنفيذها أظهرت أن هؤلاء يرتبطون بمجموعة تعيش قيادتها في عين الحلوة، وترجيح أن شخصاً يعرّف عن نفسه بأنه أمير القاعدة في مخيم عين الحلوة، له علاقات مع فتح الإسلام، هو من أعطى الأوامر بالتفجيرات وتسهيل الحصول على المتفجرات.
2ـــــ الإعلان عن توقيف أربعة شبان بالقرب من المخيم، قيل إنهم كانوا على صلة بمجموعة الشمال.
3ـــــ تعرقُل إنشاء القوى الأمنية المشتركة في المخيم بحجة عدم توافر إمكانات بشريّة وماليّة، فيما المطّلعون يرددون أن السبب الحقيقي هو عدم توافق القوى الفلسطينيّة المعنيّة على مهمات هذه القوى المشتركة.
4ـــــ ترديد مسؤولين في حركة فتح، فجأة، أن تنظيم فتح الإسلام لملم أشلاءه وجمع شتاته في المخيم، وانتخب أميراً عليه هو عبد الرحمن عوض. ويقول بعض الفتحاويين إن هناك أكثر من خمسين مقاتلاً سابقاً في فتح الإسلام التحقوا برفاق لهم بقوا في عين الحلوة عندما قرر أهل فتح الإسلام الانتقال إلى المخيم، وبعائلاتهم التي سبقتهم إلى عين الحلوة، ولم ترصد القوى الأمنية أماكن سكنها واتصالاتها.
وإذ يقلق ناس المخيم، الذين يسبقهم صيت الشغب، من هذه الأخبار التي تثقلها التفاصيل في المخيم، يبدون شبه متيقّنين من أن تنقّل مقولة «المخيم على فوهة بركان» من لسان إلى آخر فيه الكثير من الدلالات. ويقول بعضهم إن أساس القلق هو «جسم الفلسطيني اللبّيس لبنانياً لتهم كثيرة، من التخريب إلى الإرهاب». أما النماذج السابقة، فكثيرة، آخرها مخيم نهر البارد. وركيزة الأزمة أن الفلسطيني في عين الحلوة دون مرجعيّة، ووسط تبادل الاتهامات، يتعرّى الكل، ويظهرون كل من موقعه كشريك في الجرم المنتظر. والأكيد أن الغطاء الأمني الذي يمكن توفيره لبعض المخيمات والمربعات الأمنيّة في كثير من المناطق اللبنانيّة غير متوافر في هذا المخيم الذي يعتبر بعيداً عن الأنظار، وتصفية الحسابات يمكن أن تتم فيه دون إثارة إرباك محلي أو إحراج لإحدى القوى السياسيّة اللبنانيّة.
وثمة في مشهد عين الحلوة تفاصيل يمكن رصدها. أوّلها، أن المشكلة تتعدى المناكفات القائمة بين التنظيمات الفلسطينيّة، فهذه يمكن ضبطها. لكن ما لا يمكن التحكم به هو الغيرة والطموح عند أصغر ضابط في معظم هذه التنظيمات. حيث الكل يعتبر نفسه مرجعية، ويطلب اعتباره مفاوضاً أساسياً. ويمكن هنا الإسراف في الكلام عن الفتحاويين عموماً.
ثانيها، وجود رأي عام في عين الحلوة يجمع على رفض استهداف إحدى المجموعات الإسلاميّة، ويستغرب «التضخيم غير الحقيقي، مرّة لجند الشام ومرّة لفتح الإسلام»، ويبدي تعاطفاً يمكن أن يصل إلى حد التضامن العملي مع أهل الجند. وثمة سؤال يطرح عن السبب الذي يحول دون استئصال جميع الفاسدين دون استثناء، وتسليم المطلوبين للعدالة، لا جند الشام وحدهم.
أما ثالثها، فحقيقة رسّختها الأحداث، وهي أن كل الحلول الأمنيّة للمخيمات تسقط ما لم تتزامن مع خطوات سياسيّة مؤثرة. ويفترض أن نأخذ في الاعتبار هنا أن من يفجّر داخل عين الحلوة لا يعير أيةّ أهمية لمَن يمثّلون شرعية هنا أو شرعية هناك.
هذا كله في الشكل ربما، أما في أساس القراءة السياسيّة، فثمة من يقول إن هناك تلاقياً، قد يكون غير مسبوق، بين الأجهزة الأمنية من جهة وحركة فتح من جهة أخرى، للقيام بعملية «تطهير» واسعة في المخيم على حد وصف أحد المتابعين للملف.
فمن جهة، يعتقد بعض الضباط النافذين في إحدى المؤسسات الأمنية أن الجهد الأمني على طول الأراضي اللبنانية وعرضها هو دون جدوى في ظل بقاء عين الحلوة فالتاً من كل عقال، وتحوّله ممراً إجبارياً لهروب كل من تشتبه السلطات اللبنانية في ضلوعه في نشاط غير قانوني. إضافة إلى أن معظم التحقيقات في الأحداث الأمنية الأخيرة تعثرّت عند حلقة مخبّأة في عين الحلوة. كل ذلك وسط ضغوط دولية تطالب لبنان بتطمينات جديّة إلى أمن قوات اليونيفيل التي تعتبر طريق صيدا خط إمدادها الأول. ويُحكى عن تقارير يتبادلها دبلوماسيو هذه القوات تؤشّر إلى رصد جدي لنمو الحالة الإسلامية المتشددة في أزقة المخيم.
أما من جهة حركة فتح، فثمة من يقول إن سلاح الحركة قد تآكله الصدأ، والعصب الفتحاوي يكاد يتلاشى، وعمداء الحركة منهكون بمناكفات داخلية. من هنا، باتت «الثورة» تحتاج إلى عمل عسكري يُحدث صدمة إيجابية في صفوفها، دافعاً في اتجاه ارتفاع صوت فتحاويّ واحد لا بضعة قادة لا يعودون في النهاية يقودون أحداً. وطبعاً، فإن تركيبة المخيمات لا تُبقي أمام فتح لتحقيق هدف كهذا إلا عين الحلوة. وقد دلّت التفجيرات التي طاولت إسلاميين في المخيم، مناوئين لفتح، أنها ترصد بدقة تحركات الإسلاميين الذين... جمعوا معظم سلاحهم من مخازن فتح التي وزّعت السلاح على عماه!


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.