header('Content-Type: text/html;charset=windows-1256'); header( 'Cache-Control: no-cache, must-revalidate' ); header( 'Pragma: no-cache' ); ?>
إغلقإبحث
18 تشرين الأول 2008 غسان سعود - "الأخبار"
غسّان سعود
ضحكة الأمين العام لحزب الوطنيين الأحرار إلياس أبو عاصي لدى سؤاله عن أبرز منجزات حزبه خلال الأعوام القليلة الماضية وترداده أن الإنجاز الأهمّ هو بقاء الحزب، فيهما كثير من الرمزيّة، فقد مرّت على هذا الحزب الذي نسي أهله قبل أشهر الاحتفال بمرور نصف قرن على تأسيسه، أحداث استثنائيّة. ورغم هذا، استطاع، على طراوة بنيته التنظيميّة، الاستمرار ولو بحجم يراه كثيرون مادة دسمة للسخرية. سخرية مبنيّة أساساً على مواقف الحزب، ورئيسه خصوصاً، التي تستفزّ الخصوم، لإيحائها أن قائلها يقرأ في أرشيف الشمعونيّة يوم كانت كلمة من الرئيس شمعون «تهزّ البلد».
■ البداية المتعثرة
بعد إنهاء الرئيس الأسبق كميل شمعون ولايته الرئاسيّة، أسّس عام 1958 حزب الوطنيين الأحرار كإطار صغير ينظم تفاعل الحالة الشمعونيّة التي امتدت من الشوف إلى معظم المناطق المسيحيّة عموماً، والمسيحيّة ـــــ الشيعيّة خصوصاً. ومنذ تأسيس الحزب ـــــ كما يقول الأمين العام الحالي للوطنيين الأحرار إلياس أبو عاصي ـــــ كان يعتقد أن الاهتمام بالقضية أهم من الاهتمام بالحزب، ولا ضرورة لأن يكون الراغبون بخدمة القضيّة منتمين إلى الحزب. وبحسب أبو عاصي، كان شمعون يعتقد أن الحزب لا يرتقي إلى أهميّة شخصه. من هنا لم يهتم به كثيراً. ولكن رغم هذا، كان الحزب يملك بنتيجة انتخابات 1972، عشية الحرب اللبنانيّة، أكبر كتلة نيابية في المجلس تتألف من 11 نائباً من أصل 99، فيما كان حزب الكتائب ممثلاً بسبعة نواب، والحزب الاشتراكي بخمسة، والكتلة الوطنيّة بثلاثة فقط. وكان الحزب ممثلاً في حكومة رشيد الصلح، الأخيرة قبل الحرب، بوزيرين هما: محمود عمار ونديم نعيم، إضافة إلى ميشال ساسين المقرّب يومها من الأحرار.
ولكن، مع بدء الحرب، يقول كميل دوري شمعون مرشح الحزب السابق في دائرة الشوف، تعرض الحزب، الذي كان شريكاً في الحروب المسيحيّة ـــــ الفلسطينية والمسيحية ـــــ السوريّة، لضربات موجعة سبقت اغتيال داني مؤسس ميليشيا نمور الأحرار، الجناح العسكري للحزب، كان أبرزها:
1ـ خسارة النمور مواقعهم في كسروان والمتن نتيجة هجوم القوات اللبنانية عليهم، سنة 1980، بتوجيه من بشير الجميل تحت شعار توحيد البندقيّة. وتعرّض أنصارهم لمجازر في منطقة الصفرا خصوصاً. وكان الرئيس شمعون يومها أمام خيارين: إما الدفاع عن النفس والكرامة والدخول في حرب مسيحيّة ـــــ مسيحيّة، أو العضّ على الجرح والتخلّي عن السلاح وحلّ منظّمة نمور الأحرار. وقد اختار الحل الثاني على صعوبته.
2ـ هيمنة القوات والكتائب، بحكم امتلاكهما السلاح، على المناطق ذات الغالبيّة المسيحيّة، وضمناً مناطق نفوذ الأحرار. وقد نجح هؤلاء في منع الأحرار من الحفاظ على مجموعاتهم الطالبيّة في هذه المناطق عبر التهديد والاعتداءات الجسديّة والخطف.
3ـ ضغط القوات عسكرياً لتفشيل انتخاب داني رئيساً، ومحاولتهم محاصرة «الشمعونيّة».
يضاف إلى هذا تعرّض الحزب، وفق كميل دوري شمعون، لبعض المشكلات الداخليّة بعد تسليم الرئيس شمعون، عام 1985، مقاليد الحزب إلى داني واحتفاظه لنفسه بلقب الرئيس الفخري. وكان من أبرز معالم هذه المشكلات تقديم دوري شمعون، الأمين العام للحزب منذ تولي الرئيس شمعون رئاسة الحزب وحتى عام 1983، استقالته وانتقاله للعيش في بريطانيا خمس سنوات (منذ تولي داني الرئاسة وحتى مقتله). ويروي كميل الحفيد أن والده كان يرفض هيمنة الكتائب مسيحياً واعتبار عجز الأحرار طالبياً ونقابياً أمراً واقعاً يجب التسليم به. وجاء إصرار داني على إدخال المقاتلين في البنية التنظيميّة الحزبيّة المباشرة ليزيد اقتناع دوري بأفضلية الابتعاد، إذ حاول داني إعطاء دور أكبر لمقاتلي النمور «الذين، رغم تضحياتهم الكبيرة، لم يكونوا مستعدين للانضباط الحزبي والانخراط في الحياة السياسيّة بمعناها التقليدي، وكان هؤلاء يأخذون أصلاً على دوري عدم تفاعله إيجابياً مع محاولة إدماجهم في الحزب»، بحسب كميل الحفيد الذي يؤكد أن انضواء هؤلاء في الحزب انعكس تفككاً إدارياً.
■ مقتل داني: رواية الحزب
لاحقاً، عام 1988، رشح داني شمعون نفسه لرئاسة الجمهوريّة، وقدم مشروع حكم متكاملاً، لكن سعي الرئيس أمين الجميّل للتجديد أو التمديد دفع في اتجاه تجدد الاشتباكات التي انتهت بتسليم قائد الجيش يومها العماد ميشال عون رئاسة الحكومة الانتقاليّة، ليجد الأحرار أنفسهم، مرة أخرى، مدافعين عن «الشرعيّة»، وكانوا أهم المؤيدين لحكومة عون الانتقاليّة، معنويّاً وعسكرياً. وقد ازداد التوتر بين الشمعونيِّين والقوات، يقول كميل شمعون، نتيجة بقاء داني قرب عون بعد بدء حرب الأخير والقوات.
وبعد اجتياح الجيش السوري وبعض الوحدات اللبنانيّة بقيادة قائد الجيش يومها العماد إميل لحود قصر بعبدا ومناطق نفوذ العماد عون في 13 تشرين الأول، كان داني شمعون الشخصيّة السياسيّة ذات الثقل، شبه الوحيدة الموجودة في لبنان والتي ترفض اتفاق الطائف، وتعتبر القوات السورية قوات احتلال. لكن بقاء داني على قيد الحياة لم يطل، إذ قتل مع زوجته وولديه خلال وجوده في منزل شقيقه دوري في منطقة بعبدا، قرب قصر رئاسة الجمهوريّة.
وهنا، يسأل كميل دوري شمعون أين كان «النمور» و«أصدقاء داني» في تلك المرحلة؟ ولماذا لم يطلق أحد منهم رصاصة واحدة دفاعاً عن قائدهم؟ ويوضح أن والده لم يبرّئ أحداً. ويضيف أن محاكمة قائد القوات اللبنانيّة سمير جعجع، بإشراف مدّعي عام التمييز السابق عدنان عضوم، لم تكن مقنعة في الشكل ولا في الجوهر، «نحن في أيّ حال لا نقول إن جعجع بريء، والكل يعلم أنه ارتكب أموراً من المخجل الكلام عنها. ولكن كيف اتهامه بالجريمة إذا كان ثمة احتمال 5% بأن يكون غيره قد ارتكبها؟»، وخصوصاً أن «آخر «مسؤول» التقاه داني كان أسعد الشفتري، صديق إيلي حبيقة. والوصول إلى منزل دوري حيث قتل داني كان يتطلب اختراق عشرات حواجز التفتيش السوريّة». فيما يؤكد أبو عاصي أن الأحرار، لو صدقت عدالة تلك الحقبة، كانوا سيقولون: «عفا الله عمّا مضى، ونسامح مرتكب الجريمة». وطبعاً، «ما كنا سنغير قناعاتنا السياسيّة ونذهب إلى المعسكر المضاد لمجرد وجود جعجع في معسكرنا».
■ بعد 1990: إنجاز البقاء
إثر اغتيال داني، عاد شقيقه دوري فوراً من بريطانيا ليتسلّم رئاسة الحزب، والإنجاز الأهم في نظر أبو عاصي هو قرار الاستمرار الذي اتخذه دوري، مقرراً معه البقاء في لبنان. كان الحزب سبّاقاً عام 1992 بإعلان مقاطعة الانتخابات (وقد قاطع الأحرار ترشيحاً واقتراعاً دورتي 1996 و2000 أيضاً). وتحت ضغط أمني استثنائي، وملاحقة من الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة والسوريّة، حاول الأحرار، الذين عادوا إلى مقرّهم في السوديكو بعد غياب أربع سنوات عنه، الوقوف على أقدامهم لاختراق «الإحباط المسيحي» وملء الفراغ الناجم عن نفي عون وسجن جعجع. وطوال عقد التسعينيات، يسجل لدوري شمعون رفعه وحيداً الصوت من داخل الأراضي اللبنانيّة مطالباً بخروج الجيش السوري من لبنان، ومنتقداً كل الطبقة السياسية، والرئيس رفيق الحريري ضمناً، كما يقول كميل شمعون.
اصطدم نهوض الأحرار، في تلك المرحلة، بعقبتين أساسيتين، هما: عدم توافر المال والإعلام. فكان الحزب أشبه «بسيارة رائعة ولكن لا يمكنها التحرك لأنه ليس فيها بنزين». ويروي أبو عاصي كيف كانوا يجمعون الأموال بعضهم من بعض في المجلسين الأعلى والسياسي ليدفعوا فواتير الكهرباء والماء، علماً بأن الحزب في تلك المرحلة لم يكن يتطلع إلى الانتشار الشعبي، ولم يسع لاستعادة الأحرار السابقين الذين التحقوا بالتيّار الوطني الحر والقوات اللبنانيّة. وقد جمع الأحرار بداية، بحسب أبو عاصي، النائب السابق ألبير مخيبر وأحزاب الكتائب والكتلة والقوات إضافة إلى العونيين، مؤسسين لحركة المطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال. ثم جمعوا إلى طاولتهم العونيين والقوات، قبل أن يشاركوا بفاعلية في اجتماعات قرنة شهوان ولقاء البريستول.
عشية الانتخابات النيابيّة عام 2005، على ما يروي كميل شمعون، فوجئ الأحرار بموقف العماد عون الذي كان قد أعلن رفضه النقاش في التحالفات قبل عودته من باريس، وإذا بهم يجدونه منجزاً تحالفاته. وقال لدوري شمعون لدى استقباله بعد عودته من المنفى، بحسب كميل شمعون: «لوائحي مكتملة، وأعتقد أنكم لا تمثلون شيئاً، وأنتم حزب مضمحل، ولو لم تكونوا كذلك لما كان هناك شيء اسمه عون»، منضماً بذلك، وفق شمعون، «إلى السوريين والفلسطينيين والكتائب والقوات الذين أرادوا محو الأحرار».
ويقول شمعون الحفيد إن نفقات حملته الانتخابيّة في الشوف لم تتجاوز 22 ألف دولار توزعت على إعداد الوجبات الغذائية والأعلام واللافتات ومصاريف النقل. ورغم هذا نال 17074 صوتاً، الأمر الذي يؤكد «استمرار العاطفة الشمعونية»، معترفاً بأن الأحرار فشلوا في الدوائر الأخرى، وذلك نتيجة ثلاثة أسباب رئيسيّة:
1ـ تصرف قرنة شهوان.
2ـ إصرار القوات على نيل أكثر مما يعطيها إيّاه حجمها الحقيقي.
3ـ اقتناع المسيحيين بأن عون حليف الشمعونيّة وشكل من أشكال استمرارها.
■ منذ 2005 إلى اليوم
بعد الانتخابات، قوّم الحزب أداءه وفصّل أسباب الخسارة، خالصاً إلى أن تنظيمه يفترض أن يستأثر باهتمام القيادة، وكان هناك إجماع على أهمية تفعيل موارد الحزب وعلاقته بالإعلام. «أعدنا التنظيم، يقول أبو عاصي، ففعّلنا بداية المفوضيات الخارجيّة، وأنجزنا المهمة التنظيميّة الأولى في مفوّضيّتي أوستراليا وكندا ـــ أميركا الشماليّة، الأمر الذي سمح باستفادة الحزب من تقديمات بعض المغتربين المتموّلين، ومعظمهم محازبون، الأمر الذي أمّن بعض الأموال لقيادة الحزب الذي استحدث مفوضيّة في زحلة».
ويأمل أبو عاصي افتتاح مفوضية في كل قضاء، تنشأ منها فروع. ويؤكد عدم مرور أسبوع دون ان يفتتحوا فرعاً أو مفوّضيّة، وأن إطلاق العمل الحزبي تعوقه صعوبة توفير المستلزمات المادية، الأمر الذي يدفع الأحرار نحو الالتزام أكثر بمبدأ «على قد بساطك مد جريك»، مؤكداً رفض «الاستعطاء» ورفض الخضوع لهذا الطرف أو ذاك: «نحن الحزب المسيحي شبه الوحيد الذي لم يأخذ أموالاً لا من هذه الجهة ولا تلك».
عشيّة انتخابات 2008، يقول كميل دوري شمعون إنهم يتطلعون إلى الترشح عن أربعة مقاعد في الشوف، المتن الشمالي، المتن الجنوبي، وكسروان (ثمة اسمان رئيسيان هما: النائب السابق فريد هيكل الخازن أو مارون حلو، والاثنان من بلدة غوسطا). وختاماً، يؤكد أبو عاصي إيمان الأحرار بمبدأ كرّسه الرئيس شمعون وهو أن الحزب وسيلة لا غاية. غير أن من سيئات هذا الأمر لأن الوسائل أكثر ميلاً إلى الذوبان منها إلى الديمومة (...).
داني قبل ساعات من استشهاده
في 22 تشرين الأول 1990، اقتحم ثمانية مسلّحين منزل رئيس «الجبهة اللبنانيّة» وحزب الوطنيين الأحرار داني شمعون في الطبقة الخامسة من سنتر شاهين في منطقة بعبدا، وأطلقوا النار من مسدسات كاتمة للصوت عليه وعلى زوجته إنغريد عبد النور وولديه طارق (7 أعوام) وجوليات (5 أعوام). وفي اليوم التالي، نشرت صحيفة «أي .بي. سي» الإسبانيّة مقابلة أجرتها مع شمعون قبل ساعات من اغتياله، أعرب فيها عن اعتقاده بأن «أنصار عون لن يعطوا فرصة للانضمام إلى حكومة إلياس الهراوي، ولن يسمحوا لنا بالاشتراك. هناك مئات الآلاف من اللبنانيين الذين يريدون لبنان من دون سوريا والذين هم غير ممثَّلين داخل الحكومة».
وأشار إلى أن السوريين نزعوا سلاح حراسه الخصوصيّين و«بذلك لا يمكنني مغادرة منزلي والذهاب إلى بيروت للتحدث إلى الحكومة الجديدة». وأكد سوء الفهم الغربي لظروف الوجود السوري في لبنان وأن سوريا أرسلت أفضل العناصر في جيشها لمحاربة عون، لكنها لم تحرك ساكناً للتخلص من حزب الله الذي يصل إليه السلاح بحرّية فوق الأراضي التي يسيطر عليها الجيش السوري.
الذكرى الـ 18 لاغتيال شمعون: هل تستنهض عودة ترايسي همّة «النمور»؟
أنطون الخوري حرب
داني وابنته ترايسي (الأخبار)داني وابنته ترايسي (الأخبار)تأتي ذكرى استشهاد الرئيس السابق لحزب الوطنيين الأحرار داني شمعون وعائلته في ذروة المشكلة التي أدّت برفاق داني «النمور» إلى مخاصمة الرئيس الحالي للحزب دوري شمعون، ومخالفة كل مواقفه السياسية وقراراته التنظيمية منذ عام 2005. ففي السياسة تقف مجموعة أعضاء «مجلس الأمناء» و«المجلس الأعلى» والقادة السابقون على طرفي نقيض مع دوري من حيث المواقف والالتزام السياسي. وبخلاف موقف الأخير من حزب الله، ترى مجموعة «النمور»، وعلى رأسها بوب عزام ونبيل ناصيف وجورج الأعرج وجان عيد، أنها ـــ وبحسب رأيها ـــ تتمسك بنهج رئيسها الراحل الذي رفض الصيغة الأهلية للحرب اللبنانية.
ويتذكر «النمور» موقف كميل وداني شمعون الشاجب لمجزرة السبت الأسود ودعوة محازبيهم لحماية المواطنين المسلمين في المنطقة الشرقية. وفي هذا السياق يرى «النمور» أن الرهان على القوى الخارجية هو رهان يائس ومؤذٍ لأن تجربتهم مع الأميركيين والعالم الحر خير دليل على ذلك، فهذه الدول «كانت تريد مصالحها على حساب مصالحنا، وحين تأمّنت لها مصالحها مع سوريا وغيرها، تخلّت عنّا وأصبحنا ندرك أهمية التفاهمات اللبنانية ـــــ اللبنانية لحماية لبنان وصيانته وليس الرهانات اللبنانية على الخارج»، ولا سيما الرهانات المسيحية الفاشلة. وبناءً عليه يقرّ «النمور» بأهمية زيارة عون لإيران بعد تهجير ألف عائلة مسيحية من العراق، لحثّ الإيرانيين على مساعدتهم عبر حلفائها في العراق.
وعن خلافهم مع دوري شمعون، يؤكد «النمور» أن السبب ليس تخلّي حزبهم عن نهج داني، إنما هو تحالف دوري مع الذين ساروا بركاب الاحتلال السوري في فريق 14 آذار الذي يعتبر عزام أنه كناية عن «كذبة كبيرة»، كذلك فإن «النمور» يشعرون بالخيبة من دوري الذي كان إبّان حقبة الوصاية القائد السياسي الوحيد على الأرض اللبنانية ضد تلك الوصاية بخلاف حلفاء الأمس (لقاء قرنة شهوان) واليوم (14 آذار)، كما أنه كان أوّل مَن افتتح الاعتصام الشعبي في قصر بعبدا عام 1989 فيما هو اليوم يتبع لتابعي سوريا حتى خروج جيشها من لبنان عام 2005. وهذه التقلّبات في مواقف دوري تعبّر عن شخصية مختلفة كلياً عن شخصية شقيقه داني الذي لم يغيّر مواقفه يوماً حتى دفع ثمنها استشهاداً. لقد «أنهى دوري تجربة الأحرار سياسياً ووطنياً، أما نحن فاخترنا تحالفنا مع التيار الوطني الحر من أجل المصلحة الوطنية العليا، بينما اختار هو تحالفاته لتأمين مصلحته الشخصية، إلى حد أنه زار عبد الحليم خدام في باريس، والذي كان يسمّيه الرئيس شمعون خرّيج جامعة سعسع».
ويتساءل أحد «النمور»: «ألا يخجل دوري من إهانات وليد جنبلاط الدائمة لتاريخ الرئيس شمعون، وآخرها قبل أيام عندما شتم الحلف الثلاثي عام 1978 محمّلاً إيّاه مسؤولية سقوط لبنان عبر سقوط جبهة الاعتدال العربي برئاسة كمال جنبلاط؟ وهل أصبح دوري بحاجة إلى فرصة انتخابية من وائل أبو فاعور؟ إننا نتفق مع وليد جنبلاط على الفارق الكبير في الحجم والنوعية السياسية بين دوري ووالده».
وآخر فصول معارضة «النمور» لدوري شمعون هو مسامحته سمير جعجع على جريمة قتل داني وعائلته حتى قبل أن يعلن اعتذاره الأخير الذي يرفضونه بالكامل، فأخطاء الحرب، في رأيهم، تختلف عن الجرائم المتعمّدة، «فهي ليست كسقوط مدنيين عن طريق الخطأ خلال المعارك العسكرية، بل هي جرائم موصوفة ارتكبت عن سابق تصوّر وتصميم، والاعتذار عنها يستوجب من جعجع اعتزال العمل السياسي، حينها فقط نسامحه كمسيحيين. أما أن يرتكب جرائمه ويعتذر عنها بكلمة لكي يبرر استمراره في العمل السياسي، فهذه قمة احتقار ضحاياه والاستخفاف بعقول مناصريهم، وهذا الأمر لا يحدث في بلد في العالم، وخاصة مع شخص متهم بهذه الكمية من الجرائم الموصوفة». ويرفض «النمور» الإقرار بحرية دوري في إسقاط حقه الشخصي عن جريمة اغتيال شقيقه وعائلته، «لأن عائلة داني وحدها المعنية بالأمر، وهي لم تسامح جعجع ولم تغفر له جريمته».
وفي هذا الإطار، أصدرت ابنة داني شمعون الكبرى ترايسي بياناً من مقرّّّ إقامتها في فلوريدا في الذكرى السنوية الثامنة عشرة لاغتيال والدها وأشقّائها وزوجته قالت فيه إنها تتألم في هذه الذكرى «لتزوير حقيقة اغتيال والدي وأعتذر عن التحريف المقصود»، وإنها تابعت محاكمة جعجع في جريمة اغتيال والدها واكتشفت كل العراقيل التي ووجهت بها المحكمة حتى من عمّها دوري الذي لم يحضر أية جلسة من المحاكمة، راجعت ملف الجريمة من كل زواياه واستشارت الرئيس رفيق الحريري الذي أبدى لها دعمه للمحكمة، مندداً بجعجع. وقالت إن رفاق داني طالبوها بالعودة إلى لبنان بعدما نظّموا أنفسهم تحت اسم «النمور» فجرى تخوينهم وطردهم من الحزب لأنهم استمروا أوفياء لذكرى داني. ودعت محبّي داني للمشاركة في القدّاس الذي يقيمه رفاقه الساعة الرابعة من بعد ظهر اليوم في كنيسة القيامة في الرابية.
من الناحية التنظيمية لا يدّ «النمور» أنفسهم من المنشقّين عن حزب الوطنيين الأحرار رغم خلافهم الحاد مع رئيسه، «وكيف ننشق عن حزب نحن بنيناه وحميناه»، وكل مجموعة «النمور» ما زالت منتسبة إلى الحزب رسميّاً ولم يقدّم أحد منهم استقالته، كما لم تجرؤ القيادة على طرد أي فرد منهم. لذلك فإن معارضتهم السياسية لمواقف القيادة تعتبر من داخل المؤسسة رغم تغييب الأطر التنظيمية التي تسمح لهم بتحديد واعتماد آليات المساءلة والمحاسبة، وذلك بعدما كان دوري قد طلب صلاحيات استثنائية أثناء «مسرحية درامية» كان يبكي خلالها إثر انتخابه رئيساً للحزب خلفاً لشقيقه. فحوّل الحزب إلى إقطاعية عائلية «معتمداً مبدأ تعيين القيادة الحزبية وفق معيار الولاء الشخصي الصرف». وفي عام 1999 طلب مجلس الأمناء من دوري السماح بإصلاح الحزب عن طريق العودة إلى ديموقراطية الانتخابات الحزبية، فكان جوابه طرد معظم أعضاء المجلس من الحزب. ثم اتخذ قراراً ألغى بموجبه البطاقات الحزبية، طالباً من أعضاء الحزب الاستحصال على بطاقات جديدة. وأول قرار اتخذه دوري بعد انتخابه رئيساً كان استدعاء رئيس جهاز الأمن في الحزب شارل رستم، الذي سبق لداني أن طرده من الحزب نتيجة انشقاقه عنه وتشكيل قيادة رديفة لقيادته بدعم من جعجع خلال معارك القوات مع الجيش عام 1990، وتعيينه أميناً للداخلية في أول قرار له فور انتخابه.
ثم أقصى دوري كل رفاق داني ونواب الحزب ووزراءه عن القيادة الحزبية.
والأهم عند النمور هو ثقتهم بعودة ترايسي شمعون إلى لبنان قريباً لتكمل مع رفاق والدها مسيرة دربه السياسية.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.