تغيير لمنع التغيير: عودة كينز لا ماركس

19 تشرين الأول 2008 رفيق خوري - الأنوار



الصدمات والأزمات الكبيرة تدفع عادة الى توليد أفكار كبيرة. وهي، كما حدث في القرن العشرين، تقود الى ثورات وحروب كبيرة تغيّر الدول والأنظمة وتخلق نظاما عالميا يعيش عقودا ثم ينهار. وليس خارج المألوف ان يسارع كثيرون بفعل الصدمة الهائلة التي أحدثتها أزمة الأسواق المالية والاقتصادية الى تصور تحولات جذرية. صحيفة (الدايلي تلغراف) البريطانية المحافظة خرجت بمانشيت معاكس لكل ما اعتبرته قدس الأقداس: (كلنا اشتراكيون، يا رفاق). أعضاء جمهوريون في الكونغرس الأميركي صرخوا مذعورين: اجراءات الادارة هي اعلان عودة ماركس). المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية في ايران رأى (موت الرأسمالية بعد موت الشيوعية). والبعض كان أقل في المبالغة، بحيث وصف التأميم الجزئي وشراء الدولة أسهما في المصارف لاعادة تمويلها بأنه (رأسمالية الدولة)، أي المرحلة التي قيل انها تسبق الاشتراكية، والاسم الحقيقي لدعاوى الاشتراكية في بلدان العالم الثالث.
لكن ما عاد في الواقع ليس كارل ماركس بل جون ماينارد كينز. فما يحدث حالياً هو الخروج من (أصولية السوق) لا من السوق. ومن طغيان الرأسمال المالي و(ثقافة الكازينو) على الرأسمال المنتج. حتى الاجراءات الخمسة التي اقترحها الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد جوزف ستيغليتز وأكبر ناقد للبنك الدولي الذي كان كبير الاقتصاديين فيه ولصندوق النقد الدولي ولما سماه سياسة (بوش - غرينسبان)، فانها بقيت في اطار تجديد النظام الرأسمالي. إذ رأى في مقال نشرته (التايم) أن (الرأسمالية قد تكون افضل نظام اقتصادي، غير أن أحداً لم يقل انها ستخلق استقراراً)، بدليل وقوع (أكثر من مئة أزمة في الاسواق الاقتصادية خلال الثلاثين عاماً الأخيرة).
والنقاش مفتوح بين القادة في أميركا وأوروبا حول البحث في (نظام مالي واقتصادي كوني للقرن الحادي والعشرين) واقامة (وكالة كونية للضوابط). غير ان التغيير المطروح للبحث هو عملياً لمنع التغيير الجذري في النظام والذي يجب أن يحمي الفقراء في الدول الغنية وكل الدول الفقيرة في العالم ويعيد الاعتبار الى الوجه الانساني والاجتماعي للنظام الذي سمح لحيتان المال بالاثراء واللعب بمصائر الشعوب.
أقصى ما نراه هو العودة الى دور الدولة.
عودة الى الدور الذي تحدث عنه كينز لمعالجة الأزمات المالية بالقول: (على الحكومة ان تنفق حين يوفّر الأفراد، وان توفّر حين ينفق الأفراد). لا بل العمل على المدى القصير لتهدئة الأسواق والذعر لدى الناس استنادا الى نصيحة كينز: (المدى الطويل هو مرشد يقود الى الضياع في معالجة الأزمات المالية. فعلى المدى الطويل كلنا سنكون موتى).
ولا أحد يعرف الى أية تحولات وتيارات تقود الأزمة بعد سنوات.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.