استهداف مسيحيي العراق.. لمصلحة من؟
19 تشرين الأول 2008
إياد الدليمي - "العرب" القطرية
ليس مسيحيو العراق أقدم الشعوب التي سكنت أرض وادي الرافدين فحسب، بل هم أيضا من أطيب تلك الشعوب التي لم يعرف تاريخها على مدى قرون عديدة سوى التعايش السلمي مع بقية الأطياف والقوميات والأديان والأعراق التي استوطنت أرض العراق.
وليس ببعيد عن الذاكرة تلك الثقة التي كان يحظى بها الفرد المسيحي من قبل كل العراقيين قبل الاحتلال، بل حتى أن أبناء هذه الديانة السماوية كانوا من المحببين إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وكثيرا ما كان يعهد إلى أبناء هذه الديانة بالمهام والمسؤوليات، والأسباب في ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى، فهم أهل أمانة، وعلى درجة عالية من الحرص والمسوؤلية، ناهيك من طيب أخلاقهم ومعشرهم. ويتذكر أهالي بغداد جيدا الأحياء المسيحية في العاصمة التي ما زالت حتى أسعار عقاراتها أغلى من بقية مناطق العاصمة الأخرى، لأنها -وبكل بساطة- أحياء مسيحية.
واليوم يتعرض أبناء هذا الشعب الطيب إلى واحدة من أبشع صفحات التهجير والقتل والترويع، وأين؟! في مدينتهم التاريخية، نينوى أو الموصل، حتى اضطرت أكثر من 1200 عائلة مسيحية إلى ترك منازلها والمغادرة إلى مناطق محمية من قبل القوات الكردية في إقليم كردستان.
هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استهداف المسيحيين في العراق عقب الاحتلال، فلقد تعرضت عشرات العائلات المسيحية في بغداد قبل نحو عامين إلى عملية تهجير مماثلة، وخاصة في أحياء الدورة إلى الجنوب من بغداد والتي تسكنها عائلات مسيحية، وكذلك في بغداد الجديدة شرق العاصمة، إذ هجرت العشرات من العائلات المسيحية من تلك المنطقة على أيدي ميليشيات جيش المهدي التابعة لرجل الدين مقتدى الصدر، بالإضافة إلى عمليات تهجير أخرى قامت بها جهات تابعة لأطراف حكومية، كان القصد منها تشويه صورة المقاومة العراقية التي كانت في أوجها آنذاك، وأصدرت كل الفصائل بيانات الرفض والتنديد بهذه العمليات.
اليوم يعود ذات سيناريو التهجير، لكن هذه المرة في الموصل، حيث وزعت مجموعة مسلحة تطلق على نفسها اسم «الجبهة الإسلامية للدفاع عن المسلمين» منشورات تهدد المسيحيين بمغادرة المدينة وإلا تعرضوا للقتل، كما قتل نحو 11 مسيحيا خلال أسبوع واحد بهدف ترويع العائلات الباقية.
ذات الأسلوب الذي اتبع ضد العرب السنة في عدد من مناطق بغداد، وذات الأسلوب الذي اعتمدته ميليشيات الحكومة ضد المسيحيين في الدورة ببغداد، لكن المفارقة هذه المرة أن الجهة التي تقف وراء تهجير المسيحيين وقعت في عدة إشكالات جعلتها مفضوحة إلى حد كبير، ولعل من أبرزها اسم «الجبهة» صاحبة المنشور والتهديد، والذي لا يعرف له أصل في أرض الرافدين، ناهيك من تركيبته الغريبة: «الجبهة الإسلامية للدفاع عن المسلمين». إذ من الطبيعي أن تكون الجبهة الإسلامية هي للدفاع عن المسلمين، وإلا لما كانت جبهة إسلامية، وهو ما يشير إلى عشوائية اختيار الاسم من قبل الجهة الفاعلة الحقيقية.
كذلك تأتي عمليات التهجير قبيل شهرين تقريبا من موعد الانتخابات المحلية، حيث بدأت أحزاب السلطة تعد عدتها للظفر بنتيجة هذه الانتخابات بأي شكل وأي طريقة. وبالتالي، فإن استهداف المسيحيين من قبل «المسلحين السنة» في الموصل، ومن ثم توفير الحماية لهم من قبل «البيشمركة الكردية» سيعني أن المسيحيين سيدلون بأصواتهم في الانتخابات لصالح الأكراد وليس لصالح الأحزاب العربية السنية.
كما أن عملية تهجير العائلات المسيحية من الموصل ودفعها إلى النزوح إلى مناطق سهل نينوى، تأتي في إطار الوعود الكردية بمنح المسيحيين «الحكم الذاتي»، على شرط أن يكون داخل نطاق إقليم كردستان، وبالتالي التوسع الكردي في الموصل بطريقة مهذبة.
لقد تبرأت كل الفصائل العراقية المعروفة من عملية استهداف المسيحيين، بل وصل التبرؤ إلى «دولة العراق الإسلامية» التي لم تستح في يوم من الأيام من فعل أقدمت عليه، فهي لا تخشى ذلك، ولو كانت فعلا وراء عملية استهداف المسيحيين كما تطبل وسائل إعلام حكومة المنطقة الخضراء لأعلنت ذلك، وهي (دولة العراق الإسلامية) القادرة على إيجاد كل المبررات «الشرعية» لأفعالها مهما كانت بشعة وغير مقبولة.
للأسف نقول إن عراق اليوم هو عبارة عن ميليشيات وأحزاب تتصارع من أجل الفوز بجزء من تلك الكعكة، أحزاب سلطوية وميليشيات لا هم لها سوى موقعها الحزبي أو الطائفي أو العرقي، وليس للعراق أي نصيب في أجندتها. فمثلما كان العرب السنة ضحية تلك الأجندة الداخلية والخارجية بسبب موقفهم الرافض للاحتلال، ومثلما كان شيعة العراق ضحية أجندات خارجية نفذتها أحزاب تعتمر العمامة الدينية بسبب رفضهم التبعية لإيران، فإن مسيحيي العراق اليوم يدفعون ذات الثمن بسبب موقفهم الرافض لفكرة إنشاء حكم ذاتي للمسيحيين كما أراد الأكراد، وبسبب الأطماع الكردية التاريخية في الجزء الشرقي من الموصل الذي تسكنه أغلبية مسيحية.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.