كنيسة الموصل ولبنان ... وسائر المشرق!
19 تشرين الأول 2008
طوني عيسى - "الديار"
الحضاري المطلوب منهم منذ بزوغ المسيحية في ارضها ام ان ينقرضوا كما بقايا الشعوب القديمة في دول عدّة من العالم؟ لا يمكن فهم هذا الشرق ولا التعمّق في تاريخه وثقافته من دون المرور بالمسيحيين والمسيحية.
فالديانات فيه تتداخل، والتيارات القومية والعلمانية قامت بمعظمها على ايدي مسيحيين.
وحتى المسلمون عندما بدأوا عملية التلاقح الفكري مع العالم في فجر الاسلام وضُحاه وحداثته لم يجدوا مناصاً من الاستعانة بالثقافة المسيحية.
فالمسلمون في بلدان المشرق، وحصراً تلك الايام يتشاركون فيها المواطنة مع المسيحيين، ليسوا هم انفسهم مسلمي الانحاء الاخرى من العالم.
والكلام عينه يقال عن هؤلاء المسيحيين.
فهم عدا عن كونهم يمتازون عن مسيحيي الغرب بأنهم اهل الارض التي شهدت ولادة المسيحية وازدهارها لمئات السنين، يتشاركون والمسلمين عيشا عمره نحو الفي عام، لم يعد فيه ممكناً الفصل بسهولة بين رافد ثقافي وآخر.
لكن العلاقة التاريخية بين المسيحيين والمسلمين لم تكن في كل حقبات التاريخ مسكونة بالسلام والتسامح.
وادت عمليات اضطهاد الاقلية في العديد من هذه الحقبات الى نزوحها من اوطانها الى اخرى اكثر امنا لها،في الشرق كلبنان وفي الغرب.
وغالبا ما كان انفجار الحقد الطائفي ناتجا عن دخول عناصر خارجية، منذ عصر البزنطيين فالصليبيين وصولا الى العثمانيين فالانتدابات الغربية ومن ثم نشوء اسرائيل والحملات الاميركية الاخيرة في اتجاه الشرق، من افغانستان الى العراق فلبنان وفلسطين ونماذج 1860 و1958 و1975 حاضرة في لبنان، وفتائل الاضطهاد المتنقلة من مصر الى فلسطين وصولا الى مسيحيي العراق.
وما من شك في ان مسؤولية تقع احيانا على عاتق المسيحيين الذين يجري استهدافهم لان ثغرات عدة او اخطاء يرتكبها هؤلاء في حق انفسهم وتاريخهم عن جهل او اهمال او غاية تزيد في تفاقم الوضع.
وليست محاولات الاحتماء بالوصايات الاجنبية اقلها.
كما ان روح الانانية التي يغرق فيها بعض المعنيين بامور مسيحيي الشرق وضعف النظر كانا ولا يزالان عنصرا مهما في وقوع الكوارث لهؤلاء المسيحيين، ولقمة سائغة لاعتداءات القوى الرجعية او لبعث رسائل سياسية.
من السهل ان يصرخ العالم اليوم: انقذوا مسيحيي العراق كما سبق له توجيه نداءات مماثلة في مراحل اخرى حول مسيحيي لبنان.
لكن هذه النداءات لن تكون سوى اصوات في البرية لا تقدم اي فائدة ولا يمكن الاتكال عليها.
فالمسيحيون في العراق الذين يتضاءل عددهم بوتيرة سريعة يتعرضون للقتل والاضطهاد منذ بدء الاحتلال الاميركي للعراق.
وهذا الاحتلال هو على الاقل عاجز عن قيامه بالمسؤولية التي تفرضها عليه القوانين الدولية، اي حماية المواطنين في البلد الواقع تحت الاحتلال.
وهذا الكلام يزيد عليه بعض المحللين ان الولايات المتحدة ربما تترك اللعبة على غاربها في العراق لتقديم ادلة على عدم قدرة هذا البلد على ادارة شؤونه من تلقاء نفسه، وتاليا الاستمرار احتلاله والسيطرة على مخزون النفط الستراتيجي الذي يضمه.
واما في لبنان، فان المجازر الكبرى التهجيرية بحق المسيحيين لم تقع الا بعد الاحتلال الاسرائيلي.
وفي فلسطين، يلعب الاسرائيليون بنار الفتنة داخل الطائفة الواحدة وبين الطوائف، فيما تاريخ فلسطين عريق جداً في العيش الواحد والبعيد عن كل اشكال التمييز بين ابناء البلد الواحد والقضية الواحدة.
من هنا مسؤولية مسيحيي الشرق، قبل مسلميه: ان ينظروا دائما الى الداخل لا الى الخارج، وان يدركوا ان مصيرهم ومستقبلهم لا يمكن ان يرسمه الغرب لهم، هذا الغرب الذي يقف متفرجاً اليوم على مسيحيي العراق فيما كان في الامس القريب يخوض المعارك دفاعاً عن مصلحته في رفع راية الحفاظ على مسلمي كوسوفو مثلاً.
ان مسؤولية العالم الاسلامي في صيانة آخر فرصة للتلاقح الحضاري مع المسيحية، في هذا المشرق، اساسية.
ومن الجريمة ان يسكت عقلاء المسلمين والسلطة في العراق والجامعة العربية على نموذج الموصل وكأنهم غير معنيين به، او كأنه حدث هامشي.
وخير دفاع عن هؤلاء المسيحيين المضطهدين من دون مبرّر هو ان يهب العقلاء والمتنورون من المسلمين لاخذ المبادرة في هذا المجال.
لكن مسؤولية اخرى تقع على عاتق المرجعيات الدينية والسياسية المسيحية خصوصا في لبنان الذي يبقى حتى الان النموذج الاقوى للعيش المشترك.
فحتى الآن، لم يصدر عن هذه القيادات سوى مواقف الاستنكار وهي وان تكن صادقة فلا تكفي، وثمة تركيز في «السينودس من اجل لبنان» على ان تضع الكنيسة خيراتها في خدمة ابنائها ليتمكنوا من الثبات في ارضهم، التي هي ارض مقدسة بالنسبة الى المسيحية عموماً.
فهل ان بطاركة الشرق يستعجلون انعقاد مؤتمر طارئ لهم للوقوف على مجريات الازمة، فيضعون قدراتهم في تصرف هؤلاء المضطهدين والخائفين لطمأنتهم على الاقل ليبقوا في الشرق، في لبنان وسوريا مثلا، بدلا من الهجرة القاتلة الى الغرب، وماذا يكون دور البطاركة وهم بطاركة انطاكيا وسائر المشرق اذا كانوا سيصلون هذه الرة ايضا متأخرين كما تأخروا دائماً، وكماحصلت اخطاء على مرّ التاريخ ادت الى اتساع حجم الكارثة.
.
.
في كل الشرق ولبنان ابرز النماذج! قد يأتي يوم، اذا استمرت طريقة الفهم عينها للواقع المسيحي في الشرق، الى افراغ الارض الاولى للمسيحية من اكثر اهلها تجذراً وانتماء.
وعندئذ سيفتقد المسلمون للنموذج الحضاري الذي يترنح، ولن يجدوه في مكان آخر لتقديمه الى الغرب والى سواه، كما سيصاب المسيحيون بنكسة على مستوى الكنيسة الجامعة، لان كنيستهم المحلية لن يبقى فيها من انطاكيا ولا من «سائر» المشرق سوى الاسم على حجارة ومخطوطات ومطبوعات اثرية في المتاحف يزورها السياح.
فهل يدرك كل المعنيين مسؤولياتهم، وهل يتعظّ مسيحيو لبنان في الدرجة الاولى؟
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.