عون في دمشق إكمالاً لمعادلة الدوّار ــ المصنع، وإنجازاً لسرّ الأسد ـ بطرس
21 تشرين الأول 2008
جان عزيز - "الأخبار"
ثلاثون عاماً ونيّف مضت على تلك الزيارة الخاطفة التي قام بها فؤاد بطرس لدمشق. كان ذلك مطلع عام 1978. قبلها بأشهر كان أنور السادات قد زار تل أبيب. وكان كامب دايفيد قد بات مرئياً بالعين السياسية المجردة. هكذا بدا أن باب السلام الأميركي قد فتح لواحد، وأغلق في وجه اثنين: حافظ الأسد وياسر عرفات. فالتقيا مجدداً بعد فراق. وكان لقاؤهما كافياً لإعادة خلط كل الأوراق اللبنانية. انتهى شهر العسل المسيحي ــــ السوري في بيروت. وكانت نهايته إيذاناً بسقوط العهد الرئاسي الجديد، بعد ترنحه طوال ثلثه الأول.
أدرك وزير خارجية إلياس سركيس، أو نائب الرئيس كما سُمِّي طوال عهدين ونصف، خطورة الأمر. حاول تداركه، وراح يستنبط صيغ إبقاء الخطوط المسيحية ـــ السورية مفتوحة، أو حتى مصالحة دمشق ــــ عوكر، مقر الجبهة اللبنانية آنذاك.
في ذلك اليوم، عاد فؤاد بطرس من العاصمة السورية بكنز ثمين، بعد لقائه حافظ الأسد. توجه سريعاً إلى بعبدا، حيث أطلع سركيس على اقتراح الأسد حول الوضع اللبناني. نظاماً داخلياً، وعلاقة مع «الجار غير الشقيق».
قال الرئيس لوزير خارجيته: أبلغ شمعون والجميل، واحصل على موافقتهما، قبل التوسع أكثر. نقل الاقتراح إلى قطبي «الجبهة». مرت أيام طويلة ثقيلة. قبل أن ياتي جوابهما... بالرفض. بعد أسابيع، كانت حادثة الفياضية، ثم عملية الليطاني، ثم حرب المئة يوم، ثم كامب دايفيد... ثم كل الحروب عندنا، والاتفاقات والتسويات عند الآخرين.
ما كان اقتراح الأسد؟ يتكتم فؤاد بطرس كلياً حيال مضمونه. ويتحسر قائلاً: كان للقبول به أن يعطينا ثلاثين سنة إضافية على الأقل، من السلام...
ومضت تلك الأعوام الثلاثون. بين حروبنا والوصاية واستدراجات الاحتلالات ومحاولات البدائل، من دون جدوى. حتى جلست سوريا، من دون مصالحة.
قبل جلائها، كانت كل العوامل التي تناولتها هذه الزاوية في حلقتين سابقتين. وكانت لدى المسيحيين خصوصاً حيالها، نظريتا الاستقواء أو الاستعداء، حتى انهارت كل القوة، ورسخ في بعض الوجدانين، كل العداوة. لكن الجلاء لم يحسم الأمور، إذ ما لبثت أن تبلورت في العقل المسيحي بعد الانسحاب السوري، مقولتان جديدتان ــــ قديمتان، لا تقلان خطأً وخطراً.
المقولة الاولى، تنطلق من فرضية أن هذا النظام السوري، الذي كان خصماً للمسيحيين، بوجوده في لبنان، تحوّل حكماً حليفاً لهم، بعدما أصبح في سوريا. لماذا؟ انطلاقاً من عناصر مختلفة، بينها الصراع المذهبي في المنطقة، وأدواته اللبنانية المستجدة حول عمودها الفقري الحريري، ونظرية «تحالف الأقليات» ورواسب الأعوام الثلاثة الماضية. وبالتالي، يخلص أصحاب هذه المقولة إلى ضرورة التحالف الموضوعي والوصفي، بين المسيحيين و «نظام الدولة في سوريا».
أما المقولة الثانية، فتنطلق من الفرضية المعاكسة: هذا «النظام في سوريا»، لا بد له بعد انسحابه من لبنان، وبعد التوترات المذهبية التي بدأت تذر بقرنها على أرضه، أن يزايد أكثر في «خطاب الأكثرية الداخلية والمحيطة»، ليصير أكثر عروبية وتشدداً وتماهياً مع تطلعات الواقع السني، ليضمن وسط العواصف الهابّة، مشروعية نظامه واستقراره واستمراره. ليخلص أصحاب هذه المقولة إلى ضرورة تصعيد المواجهة المسيحية مع سوريا، حفاظاً على مكتسبات الأعوام الثلاثة الماضية، وضماناً لعدم ارتدادها وانعكاسها.
ماذا لو كانت المقولتان خاطئتين؟ ماذا لو كان الحل الوحيد الممكن، قيادة مسيحية، تطمئن دمشق، وتقنع حسن نصر الله، وتشارك الحريرية بالتوازن، والأهم، تلزم شارعها بكل ذلك...
«بالتأكيد سأزور سوريا». قالها أمس ميشال عون. هو من أطلق قبل 18 عاماً معادلة: نفاوض على الانسحاب في الدوار، وعلى العلاقات في المصنع. أنجز النصف. وبقي النصف الآخر، استكمالاً لسرّ الأسد ـــــ بطرس، قبل ثلاثين عاماً.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.