الدور المسيحي النوعي حاجة وطنيّة لإعادة بناء الدولة
22 تشرين الأول 2008
أنطوان سعد - "الأخبار"
يرى وزير ونائب سابق غير مسيحي أدى أدواراً مهمة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي أن «على المسيحيين اللبنانيين أن يتحملوا مسؤولياتهم، وينكبوا على العمل من أجل المحافظة على لبنان، وتحصينه وألا ينجروا إلى المشاريع الإقليمية. فالتجربة دلت على أنه لا القيادات السنية ولا الشيعية والدرزية، عندما تولت مقدرات البلد في العقدين الماضيين، برهنت عن تمتعها بتصور لبناء دولة، بل تصرفت ـــــ ولا تزال ـــــ «كشريك مضارب» انحصر همه في تحقيق الأرباح وتحصيل الأموال والخدمات لمحازبيها من دون المشاركة في تحمل المسؤولية، وتقدير مغبة سياستها على مفهوم الجمهورية ومالية الدولة. لقد تبين أن ثقافة الجمهورية حاضرة في العقل السياسي المسيحي لا في ذهنية القيادات الإسلامية، ربما بسبب تفاعل المسيحيين اللبنانيين مع الثقافة
الغربية».
ويعتقد هذا السياسي المخضرم أن على المسيحيين أخذ المبادرة لتعزيز دورهم في المعادلة اللبنانية، ولكن من غير الوقوع في فخ المطالبة بتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية التنفيذية أو التشريعية. وبرأيه أن الأجدى اليوم هو التركيز على تقوية صلاحياته الرقابية على منحى الحياة السياسية وأجهزة الدولة الإدارية.
وفي شكل خاص، يرى الوزير والنائب السابق، أنه كان من الملح إعطاء رئيس الجمهورية دوراً أساسياً في تشكيل المجلس الدستوري الذي يفترض أن يمثّل صمام الأمان الأول لمفهوم الجمهورية اللبنانية، وإنقاذه من تجاذبات القوى السياسية ومحاصصتهم.
ذلك أن تشكيل المجلس الدستوري خاضع بالكامل للتوازنات في مجلس النواب، وفي مجلس الوزراء المنبثق من البرلمان، ما يعني أن أعضاءه العشرة سوف يأتي بهم توافق حفنة معروفة من الممسكين بزمام المؤسسات الدستورية. لذلك يعتقد النائب والوزير السابق غير المسيحي أنه كان يفترض إعطاء رئيس الجمهورية صلاحية تسمية نصف أعضاء المجلس الدستوري كي يتمكن بالفعل من حماية الدستور والجمهورية، وكي يقف سداً منيعاً أمام تدفق الأموال على الجهات السياسية اللبنانية لاستعمالها في المعارك الانتخابية المرتقبة في الربيع المقبل، وبالتالي أمام ارتهان هذه الطبقة للمحاور الإقليمية المتنازعة.
إضافة إلى تعزيز السلطة الرقابية لرئيس الجمهورية لتمكينه بالفعل من أداء دور الحكم، لا بد للمسيحيين من أن يتبنوا في تنظيماتهم السياسية القيم الديموقراطية والتعددية الفكرية من أجل تعميمها على الجهات الأخرى، بدلاً من أن يسعوا إلى التمثل بما يجري داخل الطوائف الأخرى من عمليات استقطاب أحادية تجمع صفوف أبناء كل طائفة للوقوف في وجه نفوذ طائفة ثانية.
كذلك لا بد من التصرف بمقدرات أجهزة الدولة لخدمة المواطنين بعيداً عن منطق المحسوبيات، والزبائنية السياسية، ورشوة الناخبين لاستجلاب دعمهم. وفي هذا الإطار، تبدو معيبة عملية التباري في تقديم الخدمات في المناطق التي من المتوقع أن تشهد تنافساً انتخابياً مثل كسروان والبترون والكورة وزحلة والمتن، وغيابها بشكل كامل أو شبه كامل عن تلك التي ترى القوى السياسية من الطرفين أنها محسومة النتائج، ولا جدوى من محاولة تغيير اتجاهات الرأي العام فيها مثل الشوف وبشري وبعض القرى المسيحية في الشريط الحدودي السابق، حيث لا مقاعد نيابية مسيحية. فرميش ودبل وعين إبل والقوزح وغيرها مهملة بالكامل من القوى السياسية المسيحية، رغم حاجتها الحيوية للتنمية لتجنيبها خطر النزوح إلى العاصمة، حيث حزام البؤس آخذ في النمو باطراد. ولولا مبادرات بعض المنظمات الدولية والأهلية اللبنانية ومؤسسة الوليد بن طلال التي تقوم بتحسين إحدى ساحات بلدة رميش لبناء نصب للواء فرنسوا الحاج، ليس من حركة تذكر في تلك القرى.
القوى السياسية المسيحية الرئيسية التي ترجئ باستمرار عملية بنائها الداخلي، مشغولة الآن فقط بكيفية إنفاق المال الكثير الذي يردها لتقديم الخدمات حيث تتوقع معارك انتخابية قاسية وباستطلاعات الرأي الشهرية التي تتراوح كلفة كل واحد منها على مستوى القضاء بين الخمسة والخمسة عشر ألف دولار، تبعاً لحجم الشريحة المطلوب استفتاؤها.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.