المصالحة المسيحية: أي أساس سياسي؟
22 تشرين الأول 2008
غاصب المختار - "السفير"
تطرح مسألة المصالحة المارونية إشكاليات حول الدور المسيحي ككل في لبنان، في ظل السعي لإعادة لملمة الحضور المسيحي وجمع شتاته على كل المستويات،خاصة بعد انتخاب رئيس للجمهورية احتل الموقع الماروني ـ المسيحي الاول في الدولة والسلطة بإجماع وطني، على اسس التوافقية والحيادية، فيما قادة الموارنة في لبنان يعلمون ان اختلافهم أوشططهم أوحكمتهم او توافقهم تؤثر ليس على كل مسيحييي لبنان فقط، بل على كل مسيحيي الشرق، وظهر ذلك بالتجربة في ردات الفعل على ما يحصل للمسيحيين في فلسطين والعراق ومصر.
لذلك يصبح المضمون السياسي لأي مصالحة بين قادة الموارنة في لبنان اساساً في نجاح هذه المصالحات وفي استمراريتها ومد نتائجها ومضامينها الايجابية على كل المسيحيين، لبنانيين ومشرقيين. والظاهر حتى الان ان رئيس »تيار المردة« سليمان فرنجية يسعى لمصالحة ذات مضمون سياسي، بينما يريد رئيس حزب »القوات اللبنانية« سميرجعجع مصالحة خاصة محدودة المكان والزمان والاهداف والنتائج.
لماذا؟
يبدو ان فرنجية لا يستطيع تجاوز حقبة تاريخية طويلة من الصراع السياسي و العسكري والشعبي مع جعجع وحزبه، بمجرد لقاء »تبويس لحى«،خاصة ان منطقة الشمال مقبلة على معركة انتخابية طاحنة بكل المعايير، لاثبات الوجود والشعبية والتأثير، لذلك يصر على برنامج او بيان او وثيقة سياسية تحدد مسلمات وثوابت الحد الادنى للدور المسيحي في لبنان، للتلاقي وسحب الخلاف الدموي من الشارع، والعمل كل في حزبه وفق مقتضيات برنامجه السياسي. وللغاية ذاتها ربما لا يستطيع جعجع الدخول في حوار سياسي مع »المردة« حول مثل هذه الثوابت والمسلمات، طالما ان الطرفين مختلفان حول اسس هذه الثوابت والدور، وعلى المشروع السياسي للمسيحيين اللبنانيين المشرقيين، وعلى النظرة الى لبنان الكيان والدولة.
واي بيان سياسي يمكن ان يُطرح، سيكون مضطرا للاجابة عن كثير من الاسئلة حول الدور المسيحي: أي لبنان يريد المسيحيون؟ لبنان الموحد التعددي، ام لبنان الطوائف والفيدرالية والتقسيم؟هل ما زالت لدى بعض المسيحيين اوهام بتحالفات او الدخول في مشاريع خارجية معدة للمنطقة ومنها لبنان، تفيد بعض الاشخاص وتضر بمصلحة المسيحيين وبدورهم وتشكل خطرا على وجودهم في المشرق كما على لبنان بذاته؟ ما هو الموقف من فكرة الدولة والنظام، أي دولة واي نظام هو الاصلح للبنان؟
وما هو موقف المسيحيين ولا سيما الموارنة منهم من قضايا العرب ولا سيما قضية الاحتلال الاسرائيلي، واستطرادا الموقف من فكرة المقاومة للاحتلال؟ ومن تهجير اسرائيل للمسيحيين في فلسطين، وتهجير الاميركيين وادواتهم للمسيحيين في العراق؟
المصالحة المسيحية جاءت استجابة لضرورة معالجة خلافات دموية كبرى على مثل هذه المواضيع و المشاريع السياسية الكبرى التي عصفت بلبنان منذ ثلاثين سنة واكثر، ولم تاتِ نتيجة خلاف في زاروب او حي او لخلاف شخصي بين زعيمين، هي نتاج خيارات سياسية كبرى متضاربة لقيادات المسيحيين، ادت الى ما ادت اليه، وعلاجها لا يتم بمصالحة شخصية قد تفيد جعجع اكثر مما تفيد فرنجية، على ابواب الانتخابات و ترتيب الاوضاع الداخلية للبلد وفق اصطفافات وخيارات سياسية وطائفية.
والحال ذاته ينطبق على آل كرامي، الذين لهم بذمة جعجع اكثر من مجرد »اعتذار« عن جريمة كبرى ارتكبها بحق رئيس حكومة يمارس مسؤولياته الدستورية، فكيف يتجاوز جعجع تاريخا من السياسة المتناقضة مع آل فرنجية وآل كرامي، بمجرد لقاء عرضي؟
يبقى دور رئيس الجمهورية في تحقيق هذا التوافق المسيحي على البرنامج او وثيقة الحد الادنى، لتأتي المصالحات مثمرة وفق ما يفترض انه رؤية الرئيس لمعالجة مشكلات الوضع اللبناني برمتها، واذا كان الرئيس ميشال سليمان يقارب الملفات الكبيرة برؤية سياسية واسعة و شمولية، فهل يقارب المصالحة المسيحية بمثل هذه الرؤية ام انه يتريث او يتردد ويحاذر لخوفه من الا يؤدي اقدامه الى نتيجة مع مختلفين قد لا يجمع بينهم شيء، لاسياسي ولا شخصي؟
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.