في الاستراتيجية الدفاعية: فرنسا نموذجاً
22 تشرين الأول 2008
جورج ساسين - "صدى البلد"
في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في خلال مأدبة الغداﺀ التي أقامها على شرفه الرئيس ميشال سليمان في قصر بعبدا في السابع من حزيران الماضي، قال: "سوف نظل الى جواركم لتدعيم قدرات الجيش اللبناني. فرنسا، سيدي الرئيس، تود مساعدة الجيش اللبناني في اطار الاعداد ــ من خلال حوار صادق بين اللبنانيين ــ لاستراتيجية دفاع وطني لا يمكن إرجاؤها بعد الآن".
بعد مضي نحو 5 أشهر على هــذا الخطاب جرت اتصالات بعيدة عن الأضواﺀ بين فرنسا ولبنان من أجل تفعيل التعاون في هذا الميدان بالذات ولا سيما مواصلة برامج التدريب واعادة التأهيل لضباط وعناصر قيادية من الجيش، كما ان الجانب اللبناني تقدم بلائحة أسلحة ومعدات يحتاج إليها لتعزيز قدراته. وأشرف رئيس هيئة الأركان جان لوي جورجولان على جانب من هذه المباحثات أثناﺀ زيارته الأخيرة الى لبنان.
وبما ان ساركوزي عرض مساعدته في الاعداد لاستراتيجية دفاع وطني في لبنان قبل أشهر عدة من افتتاح طاولة الحوار الوطني في بعبدا كان لا بد من التعرف الى المنهجية التي اتبعها الرئيس الفرنسي لوضع "كتاب أبيض حول الدفاع والأمن الوطني" لعلها تساهم في بلورة الفكرة في لبنان.
بالطبع، ليس المقصود من هذه المقالة الأولى نقل التجربة الفرنسية في هذا الميدان بل استلهام طريقة العمل لبلورة استراتيجية دفاعية جديدة على ضوﺀ الخبرات المتعددة ولو كانت المقارنات بين بلد صغير مساحة وقدرات كلبنان وفرنسا كقوة متوسطة كبرى تمتلك السلاح النووي ومقعداً دائماً في مجلس الأمن. إذ كلف ساركوزي بعد نحو ثلاثة أشهر على انتخابه رئيساً للجمهورية أي في 31 تموز، 2007 مستشار الدولة جان ــ كلود مالي بمهمة الاشراف على وضع "الكتاب الأبيض" والاستعانة بفريق متعدد الخبرات والاختصاصات.
ولقد حدد ساركوزي امر المهمة بضرورة الاستناد الى "تحليل المعطيات الجديدة الاقتصادية والاستراتيجية على الصعيد الدولي وتقويم المحاذير والاخــطــار والتهديدات المحتملة لــضــمــان حــمــايــة الــشــعــب والارض وكــذلــك الفرنسيين فــي الــخــارج، وضــمــان استقلال الــوطــن وحماية مصالحه الاستراتيجية بمعناها الواسع".
واضاف ساركوزي: "استنادا الى هذه القاعدة فعلى دراستكم وكذلك الاقتراحات التي ستقدمونها ان تشمل خصوصا تطور تحالفاتنا واتفاقاتنا الدفاعية، ودرس شروط استخدام جيوشنا في عمليات خارجية، واطلب منكم الاهتمام بشكل خاص بتعزيز المعطى الاوروبي لسياستنا الدفاعية والامنية وكذلك مساهمتنا في أمن الحلف الاطلسي بمجمله".
هذه المبادئ التي حددها الرئيس ساركوزي للجنة برئاسة مالي وجهت عملها طوال سنة كاملة افضت الى وضع "الكتاب الابيض" وتسليمه الى قصر الاليزيه في 28 تموز 2008.
اما اللجنة فضمت الــى مالي امينا عاما وأربعة برلمانيين من الموالاة والمعارضة، والامين العام لوزارة الداخلية والمدير العام للشرطة، والمدير العام للشؤون السياسية والامنية في وزارة الخارجية، والمدير العام في وزارتي المال والاقتصاد والتعليم العالي والبحوث وكذلك رئيس هيئة اركان الجيوش ومدير عام الدرك والمدير العام المكلف بالتسلح والامين العام للادارة، ومدير عام المخابرات الخارجية ومدير الشؤون الاستراتيجية، ومدير وزارة الموازنة.
كما ضمت اللجنة 20 قاضيا ومحاميا وباحثا استراتيجيا وجامعيا ومدراﺀ مراكز الابحاث.
وشــكــلــت 7 مــجــمــوعــات عــمــل: الاولــــى لاســتــشــراف التهديدات والمناخ الدولي للأمن الفرنسي خلال الـ 15 عاما المقبلة والثانية لدرس التحالفات ونظام الامن الدولي (الملف الاطلسي والاتحاد الاوروبــي، ومنظمة الامم المتحدة واتفاقات الدفاع). الثالثة لتحديد اهداف السياسة الدفاعية والامــن الوطني (مهمات القوات).
الرابعة، سياسة التصنيع والبحث والاقتصاد الدفاعي.
الخامسة، علاقة الدفاع بالامن وبالمجتمع ودور البرلمان وتأهيل الشبان وسياسة الاعلام. السياسة، الدفاع المدني والمخابرات وادارة الازمات. السابعة تهتم بادارة العنصر البشري الذي سيساهم في وضع كل هذه الخطة الاستراتيجية.
وعملت هذه المجموعات السبع طوال عام كامل وعقدت 40 جلسة استماع مع 52 شخصية من 14 جنسية مختلفة من القارات الاربع وكان من بينهم الوزير السابق غسان سلامة، وقامت بـ 40 زيارة خارجية كما نظمت 9 منتديات حوارية عبر الانترنت شارك فيها 25 ألف شخص.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.