"فشّة خلق" أبو جمرا: الحسيني يعتبرها فرصة لبدء المأسَسة
23 تشرين الأول 2008
غسان سعود - "الأخبار"
تكاد تحمرّ وجوه بعض الوزراء وهم يسهبون في الكلام عن «رومانسيّة» أجواء مجلس الوزراء، ويُخيّل لسامعهم أن هؤلاء يصلون إلى مكان انعقاد جلسة المجلس متأبّطين ملفّاتهم من جهة وباقات الورود من جهة أخرى. وهم، كما يقول الوزير علي قانصو، يتجنّبون طرح المواضيع الاختلافيّة، ولم يعرضوا أي قرار على التصويت نتيجة تفاهم. وبالتالي، إن حصل خلاف أو تضارب في الآراء بشأن ملف، يُسحب حالاً ويعاد إلى الجارور. وثمّة حرص، وفق قانصو دائماً، على تأمين سير العمل وتجنيب المجلس التنفيذي أيّة خضّات. وهكذا تفهم مبادرة رئيس الحكومة بتوزيع خطة عمل مجلس الإنماء والإعمار التي يفترض أن يصار إلى نقاشها، ويرجّح أن تؤخذ اقتراحات الوزراء الجديّة في الاعتبار. ويقول وزير الطاقة آلان طابوريان إن حجم وزارته وأعباءها يفرضان عليه الانكباب على ملفاتها قبل أي شيء آخر، ولينحصر الكلام السياسي بالأحزاب.
ورغم تخفيف هذا الكلام الإيجابي من وطأة انسحاب نائب رئيس الحكومة عصام أبو جمرة من الجلسة الأخيرة، وإعلانه عدم القبول بالمشاركة في أية جلسة وزاريّة يترأسها السنيورة لا رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان، من منطلق أن موقف أبو جمرة كان عفوياً وابن ساعته، وقد ظهر أنه غير منسّق لا مع المعارضة فقط، بل حتى ضمن تكتل التغيير والإصلاح، يرى البعض أن السنيورة يخطئ إن مضى بقراره تجاهل أبو جمرة، واعتباره كما قال وزير العدل إبراهيم نجّار، غير موجود. لأن المعركة على صلاحيّات نائب الرئيس ستكون مربحة لأبو جمرة وتياره كيفما اتجهت، وذلك لثلاثة أسباب رئيسيّة:
1ـــــ قانوناً: يقول رئيس المجلس النيابي السابق حسين الحسيني إن تصادماً كهذا لا يحلّ، إن كبُر، إلا بالذهاب إلى «مأسسة» الحكومة عبر إقرار مرسوم تنظيمه. والجدير ذكره هنا، وفق الحسيني، أن ثمة صلاحيات لرئيس الوزراء لا يمكن تفويضها إلى نائب الرئيس، مثل بيان الحكومة أمام مجلس النواب، تأليف الحكومة أو استقالتها، والحضور في جلسات المراقبة.
2ـــــ طائفياً: تعتبر طائفة الروم الأرثوذكس الرابعة من حيث عدد الناخبين بعد السنّة، الشيعة والموارنة. ورغم إعطائها 14 نائباً بعد الطائف، فإن حضورهم في مؤسسات الدولة يشهد تآكلاً كبيراً، ويمثّل موقع نائب رئيس الحكومة الملاذ الرسمي شبه التنفيذي الأول لهؤلاء في النظام الطائفي اللبناني.
3ـــــ شخصيّة أبو جمرة: بعيداً عن السياسة والقانون والأرثوذكسيّة، يتمتع أبو جمرة بصدقية وسط فريق مهم من الرأي العام، هو المنفي 17 عاماً لرفضه تبديل قناعاته، وكانت أبواب الوزارات لتكون مفتوحة أمامه لو حاد قليلاً عن خياراته السياسيّة.
ويقول الرئيس الحسيني إن موقع نائب الرئيس ليس كياناً منفصلاً عن موقع الرئيس، لا بل هو أقرب إلى معاون للرئيس الذي يفترض أن يكلّفه مهمات من ضمن التضامن الوزاري.
فيما يشرح قانصو أن رئيس الحكومة يضع عادة جدول أعمال المجلس الوزاري ويطلع رئيس الجمهورية عليه، وربما لم يسمع أبو جمرة أخيراً قول السنيورة إنه سيدرج موضوع صلاحيات نائب الرئيس على جدول أعمال إحدى الجلسات القريبة، معتبراً أن الحلول ليست صعبة، وهناك تجارب سابقة تقدم حلولاً جزئيّة يمكن الإفادة منها، وخصوصاً أن عنوان «بحث صلاحيات نائب الرئيس» يعني الذهاب إلى المجلس النيابي للتشريع، الأمر الذي قد يكون متعذّراً اليوم.
بدوره، ينطلق المسؤول في التيار الوطني الحر، زياد عبس، في تطلّعه إلى حلّ لهذا الموضوع من الإيجابية التي ترعى علاقة أهل الحكومة، مشيراً إلى استحالة انتصار أي مشروع لا يأخذ الشراكة في اعتباره، سائلاً عن مغزى إشعار أبناء طائفة كبيرة بأنهم مستبعدون عن حق المشاركة في إدارة البلاد، أو أن وجود ممثّلهم أو عدمه في مجلس الوزراء لا يغيّر شيئاً، ومؤكداً أن تحديد مهمات نائب رئيس الحكومة وتخصيص مكتب له لا يحتاجان إلى تعديل دستوري.
في موازاة ذلك، ثمّة من يرمي الكرة في ملعب رئيس الجمهورية الذي يستطيع الإسراع في وضع خطاب قسمه حيّز التنفيذ، عبر إعلان بدء العمل لإقرار القوانين الـ12 التي عدّدها الحسيني في كلمته الأخيرة في مجلس النواب. هكذا، «يؤسَّس لإنشاء الدولة، ويُنتشل الناس من فوضى الدخول في متاهات المذهبيّة بعدما أتعبتنا زواريب الطائفيّة». وهنا، يقول منتقدو قانون الستين: قبل «الستين» كان الكلام عن مسيحيين ومسلمين، بعده، صار الكلام عن شيعة، سنّة، سريان، كلدان، أرثوذكس، وعلويين.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.