الشرق الأوسط الجديد، قليلاً صوب الشرق

23 تشرين الأول 2008 جان عزيز - "الأخبار"



لأسباب غريبة وخفيّة، يُغفل دورٌ كردي ما في المسؤولية عمّا يتعرّض له مسيحيّو شمال العراق. صحيح أن المذنبين عن الاضطهاد ينتمون بمعظمهم إلى البيئة السنّية العراقية، لكنّ كلّ المعنيين بالمأساة والمراقبين لوقائعها والتداعيات، يشيرون إلى دور كردي، يقلّ عن الذنب، ويزيد على المسؤولية.
لكن اللافت أكثر، في هذا المجال، هو التعاون التاريخي والراهن بكثافة، بين إسرائيل وأكراد العراق، وهو ما يعيد إحياء مقارنة متوازية جيوستراتيجية، تحاول رسم صورة المنطقة الممتدة من المتوسط إلى المحيط الهندي.
يقول محلّلون استراتيجيون إن مجموعة معقّدة ومتشعّبة من العوامل ستدفع خلال العقدين المقبلين، على أبعد تقدير، إلى نقل محور الحركة السياسية العالمية من الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط إلى ضفاف بحر قزوين. ويعتقد هؤلاء أنّ عدداً من الأسباب التي جعلت منطقة «الشرق الأدنى الصغير» مركزاً للضغط العالمي، طيلة نصف قرن، قد انتفى، أو يبدو في طريقه إلى الزوال أو الضمور. فحدث قيام إسرائيل لم يعد عنصراً مكثّفاً لتاريخ هذه المنطقة، بعدما استوعب إلى حد كبير ضمن معطياتها. ثم إن صراع القطبين على محور الاصطفاف العربي ـــــ الإسرائيلي انتهى منذ مدة كافية لتغيير معالم الجيوستراتيجيا. كما أن طرق النقل الثلاث، للنفط والجيوش ووسائل التواصل وتبادل المعلومات، لم تعد مركّزة على هذا الحوض المتوسطي الشرقي، ولم تعد محصورة بين قناة السويس والموانئ السورية.
وبالتزامن، يشير المحلّلون أنفسهم إلى أن معطيات جديدة وكبيرة برزت إلى الشرق من منطقتنا. ومن هذه المعطيات، نموّ قوتين عظميين تضمّان ثلث سكان الأرض، بين الصين والهند. ومنها تبدّل طبيعة الاقتصاد العالمي، مع نشوء طرقات المعلومات السريعة، حيث شكّلت نيودلهي أحد تقاطعاتها الأكثر كثافة، وخصوصاً في عالم الإنترنت. كما أن بداية الحديث عن نضوب احتياطي النفط خلال عقود ثلاثة فتح التركيز العالمي على الغاز، مصدر طاقة الأعوام التي ستلي. وفي هذا السياق، برزت مناطق آسيا الصغرى، العائمة على خزانات هائلة من هذه المادة.
لكل هذه الأسباب، ولسواها من المعطيات الأكثر تفصيلاً وتركيباً، يشير المحلّلون إلى أن «عقدة الأزمات الدولية» التي شكلها الشرق الأوسط الصغير، طيلة نصف قرن، ستنتهي قريباً. والعقدة الجديدة ستزحل قليلاً نحو الشرق، أي نحو المنطقة الوسطية بين كثافة الصين والهند السكانية، وبين الحاجة المتنامية إلى موارد الطاقة هناك، والمنافسة لحاجات الغرب، وبين مصادرها الجديدة على ضفاف قزوين، وصولاً إلى الخليج العربي.
ويلاحظ المراقبون أنّه ليس مصادفة أن الحروب الكبرى في العقدين الماضيين تركّزت على تلك الدائرة. من الحرب الإيرانية العراقية، إلى حربي الخليج الأولى والثانية، إلى اجتياح أفغانستان، ثم احتلال العراق، وصولاً إلى كل زعزعات بلدان القوقاز ومحيطها. ولأن كل «عقدة أزماتية» في حاجة إلى «إسرائيل» ما، في المفهوم والاستراتيجيا الغربيين، فإن «إسرائيل» الجديدة، للمنطقة المأزومة الجديدة، قد تكون في المنطقة الكردية. وكما قامت إسرائيل في قلب «العقدة» السابقة، بين مصر والأردن وسوريا ولبنان، تقوم إسرائيل الثانية على تقاطع طرق الأزمة الدولية المستقبلية، بين إيران والعراق وتركيا وسوريا، مع ما لهذا التقاطع من امتدادات جيوستراتيجية.
تبقى ثلاث ملاحظات لافتة في هذه الأنالوجيا، تثير انتباه المحلّلين: أولاً التعاون الإسرائيلي ـــــ الكردي، ثانياً محورية دور إيران في الصراع مع تلك الثنائية، وثالثاً التضحية الدائمة بالمسيحيين الشرقيين، أكان نتيجة السياسة الإسرائيلية في لبنان ومحيطه، أم نتيجة السياسة الكردية في شمال العراق وما حوله.
تاريخ يكرّر نفسه؟ لكن مع تبديل المكان هذه المرة، لا الزمان وحده.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.