الذكرى الرابعة والثمانون لمحاولة مستمرة من أجل الدخول إلى الوطن!
23 تشرين الأول 2008
خالد حدادة - "السفير"
في مثل هذا اليوم من عام ،١٩٢٤ وفي عتمة الظلم الخارجي المتمثل بالاستعمار وتحت وطأة الظلم الداخلي المتمثل بسلب حقوق الفقراء من فلاحين وعمال وفي قمع أحلام المثقفين الوطنيين بالاستقلال والتحرر... من ظلام هذه العتمة انبثق نور اسمه »حزب الشعب اللبناني« الذي اتخذ فيما بعد اسم »الحزب الشيوعي اللبناني«...
أربعة وثمانون عاماً هي عمره الزمني، وهي بالضبط سنوات تفتيش اللبنانيين عن وطن يمثل أحلامهم... والملفت في هذا المجال أن مقررات المؤتمر الأول لهذا الحزب وشعاراته في الثلاثينات، رغم قدمها في العمر هي مطالب راهنة يحملها شباب لبنان اليوم وطموحاته هي طموحاتهم اليوم.
والسد المظلم في وجه هذه الطموحات هو نفسه أيضاً، تحالف سياسي ـ طبقي، شكله في البداية تحالف الاقطاع السياسي مع الطغمة المالية، وبحماية من الاستعمار ما قبل عام ١٩٤٣ ومن الوصايات المتدحرجة حتى اليوم بعد هذا التاريخ... ولم يغير كثيراً في طبيعة هذه العلاقة، التحول في الطبيعة الطبقية التي ترقى معها بعض الاقطاع الى »رجال مال« أو كما هم يعبرون »حيتاناً مالية« أو في انضمام بعض أمراء الحرب الأهلية اليها، فواقع النظام الاقتصادي التابع لم يغير من تركيبة هذه البنية كثيراً ولا من نمط علاقاتها وتحالفاتها ولا من حقيقة قمعها لحقوق اللبنانيين وآمالهم الوطنية والاقتصادية والاجتماعية...
ولعل هذه الطبيعة للنظام السياسي ـ الاقتصادي في لبنان وطبيعة المحاصصة الطائفية التي كرسها الاستعمار الفرنسي وحولها الى »دولة الاستقلال« القائمة في سماء سلطة لا ترتكز الى وطن، بل الى مراكمة »دويلات« متحالفة حيناً ومتصارعة بأبنائها ومصالحهم أغلب الأحيان، لعل هذه الطبيعة قد خلقت منذ ذلك الحين إبداع الثنائية اللبنانية، ثنائية التحالف المتحاصص من جهة والذي أطال عمر سلطته حتى الآن سواء بتحالفاته الداخلية، أم بآليات الاستثمار الطبقي من جهة أخرى أو باللجوء الى الحروب الأهلية المتتالية وبدفع اللبنانيين إما للاستشهاد فداء »للزعيم« ولما يعتقدونه مصالح الطائفة، أو للهجرة من »كيان« لم يؤمن لهم لا الحماية الأمنية ولا الاجتماعية...
أبدع هذا التحالف إضافة الى استغلاله الطبقي، في تأمين شروط استمراره مع تغير الشروط الاقليمية والدولية وصاغ سياسة تعايش بين متضادات لا يمكن أن تكون إلا في »كيان« شبيه بالذي أرادوه.. فلم يتحدد لهذا الكيان عدو ثابت بعيداً عن الأدبيات مما سهل تعايش »المقاوم« و»العميل« في حكومة واحدة وعلى الدوام منذ حكومات يتعايش فيها، حلفاء عبد الناصر مع حلفاء آل عبد العزيز... أصدقاء الاتحاد السوفياتي و»عملاء المخابرات الأميركية« أو الفرنسية، أو... حكومات يتعايش فيها »انصار المحرومين« مع من لا يدعي هذا الشرف... لقد أبدع هذا التحالف أيضاً في صياغته السياسة الخوف من الآخر، »الشريك في الوطن«، فالجميع خائف والجميع يبحث عن حقوقه »الطائفية« المهددة من الآخر...
[[[[
أما القطب الآخر، الأضعف حكماً، في هذه الثنائية فهو ثنائية هذا الحزب »العجوز في التاريخ« والدائم الفتوة في الشعارات والطموح والتكوين... وتحديداً هو شعار »التغيير الديمقراطي« وبناء الوطن، في إطار دولة ديمقراطية علمانية...
إن مجال إبداع هذا القطب ينطلق من أنه ومنذ نشأته على قناعة تامة بصعوبة مهمة التغيير في ظل انقسامات طائفية، تغذيها عوامل السيطرة الطبقية من جهة ومصالح الاستعمار أولاً والوصايات الخارجية فيما بعد من جهة أخرى... ومقابل قناعته بهذه الصعوبة تولدت لديه قناعة حاسمة أكدها في كل مؤتمراته بعجز التحالف السياسي الطبقي وعدم رغبته في بناء الوطن وبناء الدولة العصرية... وبالتالي قناعته بأن هذا الكيان المشكل من »فدرالية الكيانات دون الوطنية« هو في واقع الموت السريري رغم عدم جهوزية البديل الديمقراطي عنه....
من اجل ذلك، ورغم موقفه من »سايكس ـ بيكو« المتكامل مع إنشاء الكيان الصهيوني في سبيل حماية سيطرة الغرب الاستعماري أولاً وأميركا اليوم، على الثروة العربية، رغم موقفه هذا اقتنع منذ البداية بضرورة النضال من أجل الاستقلال الوطني كمدخل لإعادة البحث في أطر حقيقية للتكامل العربي مبنية على نظرة تقدمية للعروبة أعاد مؤتمره الوطني الثاني تأكيد ثوابتها ومنطلقاتها...
ومن أجل ذلك كان فريداً بمطالبته باستقلال وطن حاسم باتجاهه العروبي عبر الشعار الذي أطلقه أحد أكبر رجالات الاستقلال، رغم عدم اعتراف الحكومات المتتالية به رجلاً للاستقلال وتحاصص هذا اللقب بين طوائفها... وفيهم من لم يكن له دور في النضال من أجل الاستقلال، الشعار الذي أطلقه فرج الله الحلو عن هذا الساحل الذي سيكون، منبت حركة وطنية من نوع جديد يمتد تأثيرها الى العالم العربي كله... هو استقلال يحصن الوطن لا ليعزله عن إطاره العربي بل ليعطيه دوراً فاعلاً وريادياً فيه... بينما غرق الآخرون بتلك المساومة المقيتة التي ولدت الصيغة المعاقة التي استمرت بإعاقتها التاريخية حتى اليوم، من شعار اللاغربية ولا عربية الى الشعار »الملغوم« بالحياد الايجابي وقوة لبنان في ضعفه وغيرها...
وفي إطار الفهم الاستقلالي هذا كان للبعد الاجتماعي دوره الحاسم عبر حركة عمالية مستقلة قادها رموز هذا الحزب من مصطفي العريس، الى سعد الدين مومنه والياس البواري والياس الهبر والعشرات بل المئات من النقابيين الذين وعوا منذ البداية، ان وطناً لا يقوم على العدالة الاجتماعية لا إمكانية لاستمراره....
وهذا الفهم للاستقلال، ترادف مع فهم التهديد الذي يشكله العدو الاسرائيلي على الوطن وعلى الكيان، فكانت مواجهة اعتداءاته بعيداً عن عجز الحكومات المتتالية بل وتواطئها، عنواناً من عناوين نضاله منذ الحرس الشعبي حتى »جمول«... انتهاء بدوره، رغم تواضع القدرة، في انتصار تموز...
وما ميز »الحزب الشيوعي اللبناني« في مسيرته هذه، إنه كان دوماً بعيداً عن الفئوية، وبعيداً عن منطق أنه وحده صاحب امتياز الاستقلال والعدالة والديمقراطية والتحرير، فكان على الدوام ساعياً لبناء تحالفات تجمعه على هذه القواعد مع القوى الأكثر تقدماً حتى في التحالف الحاكم نفسه، تحالفات ترتكز دوماً على مصالح القاعدة الاجتماعية التي يمثل، بأطرافها الفئوية من عمال وفلاحين ومثقفين ديمقراطيين... وصولاً الى طرحه التحالف مع ممثلي الاقتصاد المنتج دفاعاً عن الاقتصاد الوطني في مواجهة موجه العولمة التي انتجت اقتصاداً مشوهاً سينهار مع انهيار اقتصاديات العالم النيوليبرالي...
وشواهد هذا العمل تمتد من الجبهة الوطنية، الى المؤتمر الوطني من أجل الاستقلال الى مؤتمر زحلة في الأربعينات وصولاً الى قمة هذه التجربة، مع الشهيد الكبير كمال جنبلاط في »الحركة الوطنية اللبنانية« وبرنامجها الاصلاحي الذي ما زال راهناً لبناء الدولة والدخول الى الوطن....
[[[[
إنه حزب، ليس »بحجم الوطن« كما يصف البعض تجمعاته وأحزابه...
إنه باختصار »حزب الوطن«، لأنه حزب الفقراء، حزب الشباب والمثقفين الذين لهم مصلحة ببناء هذا الوطن....
تحية لك أيها »الشيخ الحكيم« أيها الفتي الدائم النضور والشباب والتجدد، تحية للمؤسسين والشهداء...
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.