التبادل الدبلوماسي يفتح باب الحوار، لا التفرّد، حول مصير المعاهدة والمجلس الأعلى

25 تشرين الأول 2008 نقولا ناصيف - "الأخبار"



في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء يوم الثلثاء، ذكّر رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الوزراء بضرورة استعجال تزويده ملاحظاتهم على الاتفاقات اللبنانية ـ السورية، المعقودة بين البلدين ما بين 1991 و2005، والتي ترعاها معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق والمجلس الأعلى اللبناني ـــــ السوري، للتأكد من تلك التي يقتضي تعديلها أو إعادة النظر فيها أو إلغاؤها. كان طُلب إلى الوزراء إبداء الرأي في الاتفاقات ذات الصلة باختصاص وزاراتهم، وفي مجموع الاتفاقات. ورغم أن التعاطي مع هذه لا يتقدّم اهتمامات السلطة اللبنانية، ولا يحتل سلّم أولويّاتها في الوقت الحاضر، إلا في نطاق مواكبة قرار التبادل الديبلوماسي وضرورة موازاته بخطوات ملموسة ومتقدّمة قبل نهاية السنة الجارية، فإن الجدل السياسي، وأخصّه من أفرقاء الموالاة، ربط التبادل الديبلوماسي بمصير المجلس الأعلى والاتفاقات، واستطراداً معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق.
بيد أن ترابطاً كهذا تندفع فيه الموالاة، لا يعبّر بالضرورة عن موقف مشابه لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، ولا يبدو مستعجلاً إلغاء المعاهدة والمجلس الأعلى، ولا قالت قمة دمشق في 13 آب و14 منه بمثل هذا.
في واقع الأمر، غداة انعقادها، وانسجاماً مع البيان المشترك الصادر عنها والقائل بمراجعة الاتفاقات الثنائية موضوعياً ووفق اقتناعات مشتركة للبلدين بما ينسجم وتطورات علاقاتهما، طُلب إلى الوزراء درس الاتفاقات والبحث في ملاءمتها التطورات التي شهدها لبنان في الأعوام الثلاثة الأخيرة انطلاقاً من إبداء الرأي في المعاهدة. كان السنيورة قد استبق ذلك بأن أوكل إلى لجنة برئاسة الوزير خالد قباني وعضوية القضاة شكري صادر وألبرت سرحان ويوسف نصر والسفيرين نوال فتال وجيلبيرت عون ومستشارة رئيس الحكومة رلى نور الدين درس المعاهدة التي ـــــ بحسب التكليف ـــــ اعتبر السنيورة أنها تشكل سند الاتفاقات الـ124 بين لبنان وسوريا. سرعان ما قدمت اللجنة تقريرها إليه في 14 آب، وقد أوصت بأن تعمد الإدارات اللبنانية المختصة إلى إعادة النظر في الاتفاقات الـ124، على أن يصار لاحقاً إلى جمع الملاحظات وتقديمها إلى لجنة مختصة رفيعة المستوى كي تدرسها بدورها.
ومع أن قرار التبادل الديبلوماسي شكّل الحدث المدوّي في تطبيع علاقات البلدين، من غير أن يكون كافياً لوقف تدخّل سوريا في الشؤون اللبنانية، فإن مقاربة آخر ما تبقّى من حقبة الوصاية السورية على لبنان في تسعينات العقد الماضي، وهو المعاهدة، تشير إلى إصرار لبناني على طيّ تلك الصفحة ومباشرة مرحلة جديدة من العلاقات اللبنانية ـــــ السورية يحكم مسارها التفاهم السياسي المتكافئ والمتوازن، لا عصا الجيش السوري واستخباراته العسكرية كلما أريد إرغام لبنان على التسليم بمشيئة دمشق. إلّا أن الخوض في مصير المعاهدة والمجلس الأعلى دونه عقبات بعضها ورد في المعاهدة والبعض الآخر في بيان قمة دمشق، وتتركّز على معطيات:
ـــــ تعذّر إعادة النظر في المعاهدة والمجلس الأعلى من طرف واحد. إلا أنها تصحّ باتفاق الطرفين على البحث مجدّداً في الاتفاقات ومراجعتها رضائياً سواء لتعديلها أو إلغائها. كانت الحكومة السابقة للسنيورة أول مَن سلّم بهذا المنطق. في عزّ سطوتها وإمساكها بقرار السلطة التنفيذية في ظلّ الرئيس السابق إميل لحود وبعد نهاية ولايته وشغور الرئاسة الأولى، مع الوزراء الشيعة الخمسة ومن دونهم عندما أصبحت قوى 14 آذار تشكّل ثلثي مجلس الوزراء، لم تجازف باتخاذ قرار يعلن إلغاء المعاهدة والمجلس الأعلى من طرف واحد، حتى في أحلك أيام تدهور علاقات البلدين والمواجهة السوداء مع القيادة السورية واتهامها بالاغتيالات السياسية والقتل والتفجيرات ومناداة بعض زعمائها بإسقاط النظام السوري، تريّثت حكومة الغالبية في قرار كهذا على وفرة انتقاداتها إلى المعاهدة والمجلس الأعلى والاتفاقات المنبثقة منهما.
ــــ يسلّم القانون الدولي بتغيير المعاهدات والاتفاقات متى بدا أن الظروف التي رافقت حصولها تغيّرت كلياً وأسقطت الأسباب التي أوجبتها. الأمر الذي يبرّر للسلطة اللبنانية الدفاع عن وجهة نظرها القائلة بمراجعة سلّة الاتفاقات بدءاً من إطاريها الأوسعين وهما المعاهدة والمجلس الأعلى. مذ انسحب الجيش السوري من لبنان (نيسان 2005) سقطت كل دوافع استمرار الدور السياسي السوري وشرعيته، وإن نجح حتى ذلك الوقت، وفي ما بعد كذلك، في التخفّي وراء حلفائه في الحكم والشارع. غير أن شرعية هذا الوجود انهارت مع صدور القرار 1559 (أيلول 2004) إذ أنهى التفويض الدولي لدمشق نشر جيشها في لبنان، ومع القرار 1680 (أيار 2006) برفع مظلة الشرعية الدولية فوق الإطار الجديد للعلاقات اللبنانية ـــــ السورية بحضّ دمشق على إقامة تبادل ديبلوماسي مع جارها وترسيم الحدود، ثم مع القرار 1701 (آب 2006) عندما طالب سوريا بمراقبة حدودها مع لبنان ومنع التهريب عبرها. وبعد ذلك كله إعلان التبادل الديبلوماسي رسمياً بينهما (15 تشرين الأول). بذلك أفضت التحوّلات السياسية والعسكرية في علاقات البلدين إلى نتائج مختلفة كلياً عمّا توخّته الدوافع التي أمْلَت المعاهدة والاتفاقات. الأمر الذي يفتح باب مناقشة الطرفين وجهاً لوجه حول خيارات جديدة لمصير المعاهدة والمجلس الأعلى، دون أن يعني ذلك حتمية إلغائهما، ولا انفراد أحد البلدين بالقرار.



Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.