نبرة شمعون ولغة شهاب ومسيحيّون لم يتعلّموا
25 تشرين الأول 2008
جان عزيز - "الأخبار"
الحديث عن «الكتلة النيابية الوطنية» التي أكد ميشال سليمان «الحاجة» إليها، أعاد إلى الأذهان قولاً مسيحياً قديماً، مفاده أن مصلحة لبنان عموماً، ومسيحييه خصوصاً، تقتضي البحث عن زعيم ماروني، يحكي لغة فؤاد شهاب في المضمون، لكن بنبرة كميل شمعون في الشكل. والمقصود بتلك المعادلة، زعامة مسيحية تمسك بأحاسيس الشارع وانفعالاته من جهة، وتخاطب العقل اللبناني والمحيط، من جهة أخرى. غير أن محاولة «كتلة الرئيس»، هي في الواقع استعادة لتجربة مطابقة نشأت بعد انتخابات عام 1960. يومها نجح «الشباب» ـــ كما كان يسميهم فؤاد شهاب ـــ في إيصال أكثرية نيابية مؤيدة له.
غير أن فوارق أساسية بين التجربتين، قد لا تسمح بالتكرار أو تهدد بالفشل قبل الانطلاق، وأهم هذه الفوارق الآتي:
أولاً، تنطلق معادلة شمعون ـــــ شهاب السابق ذكرها، من فرضية أن من يقدر على تجسيدها مسيحياً، لم ينوجد بعد. على قاعدة أن القيادات المسيحية توزعت عقوداً طويلة، بين من يملك الشارع بنبرة شمعونية، من دون أن يملك المشروع العقلاني «الشهابي» الذي يضمن مصلحة المسيحيين ولبنان، وبين من يدعي امتلاك مشروع إنقاذي كهذا، من دون أن تكون له الشرعية «الشارعية» الشعبية اللازمة لتجسيده وترجمته على أرض الواقع. فيما الأمر عكس ذلك اليوم. وكل المؤشرات الشعبية والدولية، من استطلاعات الدوائر المسيحية، إلى الزيارات الإقليمية، تؤكد أن قيادة مسيحية جامعة لطرفي المعادلة المذكورة، باتت موجودة.
ثانياً، سنة 1960، كان المسيحيون فاقدين لأكثرية واضحة، تقيهم تداعيات نكسة عام 58، وترسّخ تطلعهم إلى «الثورة المضادة». فيما عام 2009، يتجه إلى تكريس غالبية مسيحية لا يمكن نفي وجودها، اقتراعاً، ومقاعد نيابية، وفق حسابات القانون الانتخابي الجديد. وبالتالي، فإذا كانت كتلة النهج قد نشأت سنة 1960، وسط فراغ مسيحي نسبي، فإنها سنة 2009، لن تنشأ إلا في ظل القضم المفترض لأكثرية مسيحية موجودة قائمة وفاعلة.
ثالثاً، يجب القول إن مجمل الوضعية اللبنانية، بأبعادها الداخلية والإقليمية والدولية، قد تباينت بين عامي 1960 و 2009. ففي ذلك الحين لم تكن الهويّات الجماعاتية على القدر من التبلور والفرز والشعور بالانتماء الذي تعيشه اليوم. وبالتالي، لم يكن ثمة إدراك لأزمات وجودية لدى الجماعات اللبنانية كما هي حالها في الزمن الراهن. ففتنة 1958 لم تكرس الخصوصيات كما حروب ما بعد 1975، والتدخلات السورية والمصرية والأميركية يومها، ليست بذات شأن، مقارنة بوصاية سورية كاملة استمرت 15 عاماً، تاركة تداعيات كبرى. والأهم، أن التوزع السياسي الأولي قبل خمسين عاماً، كان بين مسيحيين ومسلمين وحسب. فيما هو اليوم موقَّع على جماعات كاملة مذهبياً، وذات امتدادات إقليمية. ما يعقد أكثر قيام كتلة نهج جديد.
لذلك ما كان ممكناً جمعه من «تعدديات» الشوارع اللبنانية داخل جبهة الأكثرية الشهابية المتوازنة، لا يمكن ولا بأي حال جمعه اليوم، في الشوارع المستجدة، إلا على قاعدة جذب الأقل تمثيلاً في جماعاتهم، لا الأكثر كفاءة، كما كانت حال الشهابية.
لهذه الأسباب ولسواها، يرجح المطلعون أن تكون محاولة «الكتلة الوطنية النيابية»، والرئاسية عملياً، عامل تأزيم أكبر للواقع المسيحي خصوصاً، وبالتالي اللبناني عموماً. باستثناء، ما قد يطرح في هذا المجال تسويقاً، من مقولات تخطي الواقع الطائفي، وإلغاء التمثيل الجماعاتي نيابياً، عبر الانتماء إلى «مرجعية الوطن»، لا مرجعيات الجماعات. مع ما يحمل هذا الكلام، من خواء سياسي في الواقع، واحتمال استغلال كلامي، واستخدام سياسي، عاجز عن الذهاب بعيداً.
فهل ثمة من يصدق مثلاً أن القوى السياسية المنضوية في الحكومة الحالية، مؤمنة فعلاً بضرورة إلغاء الطائفية السياسية في أقرب وقت؟
أخطر ما في المسألة كما تتضح حيثياتها وازدواجياتها وتعقيداتها، أن تنتهي المحاولة بالمسيحيين، إلى وضع ينسون معه نبرة كميل شمعون، من دون أن يتعلموا لغة فؤاد شهاب...
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.