دروس أحد لبنان الدامي

28 تشرين الأول 2008 راندي غادو - "نيويورك تايمز"



أتذكر أن صباح 23 من شهر تشرين الأول من عام 1983 كان في بيروت لطيفا ومشمسا: كان ثمة نسيم خفيف، وكان كل شيء هادئا. كان يوم الأحد، عموماً، يوم استراحة. وكنا نتلقى في العادة قسطا إضافيا من النوم، ثم يقدم لنا الطعام والبيض المقلي المخفوق في قاعة الطعام في الثكنات. لكننا لم نعد نتلقى البيض المخفوق بعد 23 تشرين الأول 1983.
في ذلك الوقت، كان يترتب علي أن استيقظ مبكراً لأن لدي عملاً ينبغي إنجازه. ولما كنت رقيباً في قوات البحرية الأميركية (المارينز) ومصوراً في الوقت نفسه، فقد تم إرسالي إلى بيروت لتوثيق انتشار القوات التي كانت ذاهبة في محاولة لإحلال السلام في لبنان في أعقاب سنوات من الحرب الأهلية. في ذلك الصباح، كانت لدي ثماني لفائف من الأفلام التي يجب تظهيرها وطباعتها قبل أن أساعد باقي أفراد وحدتي في تجفيف متراسنا لأننا كنا مقبلين على فصل ماطر. وكنت قد أقمت مختبر أفلام متنقلا في المكان الوحيد الذي استطعنا أن نجد فيه مياها جارية، -حمام في الطابق الثالث من الثكنات، مع أنني لم أكن أنام في البناية.
عند الساعة السادسة صباحاً، كنت في منتصف الطريق من خيمتي إلى الثكنات، وأتذكر كيف كانت العصافير تغرد بصوت أعلى من المألوف، ربما بسبب عدم وجود أي صوت للمدفعية البعيدة في الجبل. وعندها قررت أنني بحاجة إلى شرب كوب من القهوة قبل أن أذهب إلى العمل، وهكذا، استدرت عائداً إلى مركز العمليات القتالية، وتناولت كوباً من القهوة قبل أن أجلس على مقعدي الميداني لكي أخطط لنهاري.
بعد حوالي 20 دقيقة، سمعت صوت عيارين ناريين أو ثلاثة، انطلقت من بندقية من طراز (م-16). وقبل أن يتسنى لي الوقت للتفكير، أحسست بدفقة هواء تلفح وجهي مثل انفجار فرن. ثم سمعت وشعرت بضربة رعدية، وارتفعت من مكاني ورمي بي مسافة عدة أقدام إلى الخلف، وكأنني لعبة من القماش.
أصبت بدوار، لكنني كنت، لحسن الطالع، معتمراً خوذتي ومرتدياً سترة واقية، فامتصتا الكثير من موجة الصدمة. كان تفكيري الأولي أن صاروخا أو قذيفة مدفعية سقطت بالقرب منا، وهكذا انتقلت إلى الخارج، متوقعاً أن أشاهد حفرة يتصاعد منها الدخان. لكن ما شاهدته آنذاك كان شيئا لن أنساه ما حييت.
هناك في ناحية الثكنات حيث كنت قبل 20 دقيقة، شاهدت سحابة على شكل فطر تصعد عدة مئات من الأمتار في الجو، فانطلقت عدواً باتجاهها. وأتذكر أنني شاهدت عندما درت حول ركن بناية كيف كانت أوراق الأشجار قد انتزعت من أغصان كل شجرة وأجمة في مرمى النظر. وشاهدت أسطوانة قذيفة مزروعة في داخل جذع شجرة.
عندئذ، وعندما وصلت إلى موقع كنت في العادة أرى منه الثكنات، شاهدت برج المراقبة في مطار بيروت الدولي الذي كان يقع وراء ثكناتنا. توقفت متجمداً على أعقابي -إن هذا، ببساطة، لم يكن ما يفترض بي أن أراه. ثم بدأت الأمور تسير بالنسبة لي، لبرهة، بالحركة البطيئة. كانت هناك زوبعة رمادية كثيفة تتدلى من الأعلى مغطية كل شيء، وكأنها غشاء كثيف. وفيما عاد عقلي إلى العمل مجدداً، ركزت وبدأت برؤية الأشياء والآدميين، وهو ما أعادني إلى أرض الواقع لأنه، ومن دون تفصيل ممض، كان من الواضح أن العديد من الرجال قد ماتوا.
قفلت مسرعاً عائداً إلى مركز العمليات القتالية للإبلاغ عما شاهدته وللحصول على مساعدة. رأيت رئيسي الرائد بوب جوردان، ضابط العلاقات العامة لدينا، وقد غطى وجهه التراب، وكان يبدو مشدوها لأنه قدف به من موقعه أيضا. فقلت -أو ربما صرخت، لا أذكر- "لقد دمرت الثكنات!"
في ذلك الوقت، كانت تلك العبارات في بيروت عام 1983 مستحيلة الاستيعاب بقدر استحالة عبارة "لقد سقط البرجان التوأمان" قبل هجمات 11 أيلول في نيويورك. فقد كانت الثكنات حصناً من الإسمنت المسلح، سمكه قدمان. وكانت في السابق مقراً رئيسياً للقوات الإسرائيلية: وكانت قد استطاعت الصمود في وجه نيران المدفعية والمدفعية البحرية الثقيلة التي لم تتسبب سوى بخدش بسيط مسها بالكاد. ومع ذلك، سقطت وسقط معها نحو 220 من جنود المارينز و18 بحاراً و3 جنود. وأصيب مئات آخرون بجراح.
قبل خمس سنوات من الآن، وفي الذكرى السنوية العشرين للتفجير في موقع بيروت في جاكسونفيل في نورث كارولينا، قابلت واحدة من العديدين من الأولاد الأميركيين الذين يتموا في ذلك اليوم. كانت الفتاة ما تزال طفلة رضيعة عندما قتل والدها الذي كان ضابطاً في البحرية. وقد حضرت المناسبة حتى تسأل الرجال الذين خدم معهم والدها عن مصيره. كان والدها قد بعث لها بعدة رسائل من بيروت، وكانت في حوزتها واحدة منها فأطلعتني عليها.
كان قد كتب هذه الرسالة في أيلول 1983. وفيها قال إن الناس في الوطن ربما يتساءلون عن السبب في انخراط الولايات المتحدة في بيروت، ولماذا كان مهما إتاحة الفرصة أمام الناس هناك لكسب حريتهم. قال لها إن من الأفضل بكثير مواجهة العدو هناك حيث يعيش بدلاً من الاضطرار إلى القتال بعد عشرين سنة في الولايات المتحدة.
تبين لاحقاً أنه كان محقاً في كل شيء ما عدا الإطار الزمني، إذ استغرق وصولهم إلى أميركا 18 سنة فقط.
ننا لو كنا قد ثبتنا في مواقعنا قبل 25 سنة بدلاً من الانسحاب في أعقاب ذلك التفجير، فإن تفجيرات أيلول ربما لم تكن لتحدث. وعلى نحو مشابه، فإن أي شخص يعتقد بأننا نستطيع الانسحاب الآن، ويأمل مع ذلك في أن ينحسر الإرهاب، لا يكون قد استفاد من الدروس التي يعلمها التاريخ.
إن الناس يتساءلون ما إذا كنا ننجز أي شيء في العراق وأفغانستان. وأنا أقول: نعم. لم يعد الإرهابيون يملكون ملاذا آمنا في أفغانستان. وإذا انسحبنا من العراق قبل أن ينضج الوقت، فلك أن تتخيل من هو الذي سيتحرك للحلول مكاننا: إيران. إنها نفس إيران التي دربت المفجرين في حزب الله، والذين كانوا قد قتلوا 241 من رفاقي في صبيحة ذلك اليوم من تشرين الأول في بيروت. فهل نريد أن ننظر خلفاً إلى 25 سنة مضت من الآن، ونتأسف لأننا لم نبق ثانية
على المسار؟


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.