لماذا لا يتكرر كساد العام 1929

28 تشرين الأول 2008 شلومو أفنيري - "هآرتس" الاسرائيلية



عمق الازمة المالية العالمية الحالية والمقارنات المطروحة مع ازمة الثلاثينيات يطرح التساؤل ان كانت النتائج السياسية ستتشابه ايضا: ذلك لأن الازمة في ذلك الحين قد اسهمت في صعود النازية والحركات الفاشية الاخرى وادى الى نشوب الحرب العالمية الثانية.
التساؤل شرعي، الا ان الواقع السياسي اليوم مغاير في عدة جوانب ولذلك يمكن الافتراض ان النتائج هي الاخرى ستكون مغايرة. الفرق الاول يكمن في ان رد الفعل السريع الذي عبرت عنه حكومات الغرب اليوم - بما في ذلك ادارة بوش التي نادت حتى وقوع الازمة بالتعصب لمبدأ عدم التدخل الحكومي في اقتصاد السوق - لا يدلل فقط على ان عبرة الثلاثينيات قد استوعبت بل ان الحكومات تملك اليوم ادوات سياسية وقانونية تتيح لها التدخل السريع نسبيا بنجاعة في مجريات السوق.
في الثلاثينيات وقفت الحكومات عاجزة في مواجهة اقتصادها المنهار والبطالة المتصاعدة والانخفاض المتلاحق في المنتوج الصناعي. مبادئ اقتصاد الرفاه الاجتماعي من مدرسة جون مايندر كينز التي طورت اثر ازمة الثلاثينيات كرست وتم تبنيها فعليا وبسرعة الان على يد اغلبية الحكومات. حتى ان كان واضحاً ان الازمة ستقود الى زيادة البطالة والجمود الاقتصادي فلا يمكن الافتراض انه ستيدهور الى ابعاد مذهلة كما حدث في الماضي.
الفرق الثاني هو ان الحركات الفاشية كانت موجودة في الثلاثينيات ولذلك صعدت على صهوة الازمة الى المركز السياسي بعد ان كانت على الهامش. حزب موسوليني الفاشي كان على سدة الحكم في ايطاليا منذ العشرينيات، فجاءت الازمة والبطالة لتمنحه شرعية اضافية وكرست مبادئه الوحدانية في الحكومة وحولته الى بديل فعال للرأسمالية المنفلته وكذلك للشيوعية السوفياتية.
هذه الحركات الفاشية ليست قائمة اليوم في اية دولة اوروبية. صحيح ان هناك حركات يمينية متطرفه في النمسا وفرنسا وايطاليا الا انها لا تملك الايديولوجيا او الجهاز الحزبي القادر على حشد الناس كما اتصفت الاحزاب الفاشية في الثلاثينيات.
زيادة على ذلك لا يمكن لاية واحدة من الحركات اليمينية المتطرفة الحالية رغم طابعها العنصري ان تزعزع المبنى الديمقراطي القائم ويبدو ان لدى الانظمة الاوروبية الحالية ادوات اكثر نجاعة لمعالجة المخالفات القانونية التي ترتكبها هذه الحركات.
ثالثا لا توجد اليوم حركات شيوعية في اية دولة اوروبية. صحيح ان اية حركة شيوعية لم تنجح في الثلاثينيات في الوصول الى الحكم رغم ان الرأسمالية قد اكدت الفرضيات الماركسية كما يبدو للوهلة الاولى ولكن في بعض الدول الاوروبية ــ والمانيا بقيادة فايمار هي النموذج الكلاسيكي لذلك ــ تراجعت الديمقراطية تحت الهجمة المزدوجه سواء من النازية او من الشيوعية. احد المظاهر المأساوية للتاريخ في ذلك الحين كان حقيقة ان شيوعيين كثيرين اعتقدوا ان وصول النازية الى الحكم سيكون قصير العمر وان انتصار الثورة البروليتارية سيكون مضمونا بعد ذلك. هذه كانت احدى التوقعات الاكثر هذيانية للشيوعية وقد اثرت على عدم قيام الشيوعيين بالتحرك في ظل سيطرة النازية. بذلك اسهمت الشيوعية من دون ان تدري وخلافا لمبادئها تقريبا في صعود وتعزيز شكيمة الحركة النازية خصوصا والفاشية الاوروبية عموما.
اليوم لا تشكل الحركة الشيوعية طرفا سياسياً ذا وزن في اوروبا والديمقراطيات لا تتعرض الى نيران متقاطعة من اليمين ومن اليسار على حد سواء. انفراط عقد الاتحاد السوفياتي سيد الحركات الشيوعية في اوروبا يخرج من المعادلة ايضا ما يعتبر تهديداً ايدولوجياً استراتيجياً حقيقياً ودفع الكثيرين الى صفوف اليمين الراديكالي.
كارل ماركس تحديداً هو الذي قال ذات مرة ان الظروف المتشابهة تؤدي الى نتائج مختلفة ان تحققنا بصورة معمقة من الواقع الخاص الذي تحدث فيه. مع كل التشابه بين ما يحدث اليوم وبين ما حدث في الثلاثينيات، نحن اليوم من الناحية السياسية في عالم مغاير تماماً، رغم شدة الازمة الاقتصادية الناشبة. وكما قال ابو الفلسفة الديالكتيكية هيركيلتوس انت لا تغمر نفسك في مياه نفس النهر مرتين.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.