عندما وصل المشروع الغربي في الشرق الى مصير صدم المخططين حاول هؤلاء سلوك طريق إنقاذي أرسوه على اسس ثلاثة: الاول إخراج المسيحيين من الشرق لقطع اهتمام اوروبا والفاتيكان بهذه المنطقة من البوابة الدينية وتثبيت صحة المقولة الصهيونية بالدولة الدينية الصافية، والثاني نشر الفوضى وزرع الفتن بين شعوب المنطقة على أسس دينية وعرقية وفكرية ومذهبية ما يدمرها ذاتياً، والثالث تحويل الانتباه عن إسرائيل كعدو واتخاذها عضداً ونصيراً لفئة او أكثر من القوى المتحاربة المتصارعة.
وفي السياق التنفيذي أقحم المسيحيون المشرقيون في دائرة الخطر من بابين:
ـ مباشر عبر الضغط عليهم لإخراجهم من ديارهم، ضغطاً اتخذ وجوهاً متعددة منها الأمني المادي عبر استهدافهم وجوداً، والآخر سياسي عبر تهميشهم والحد من اثرهم وظيفةً.
ـ غير مباشر عبر إقحامهم في صراعات مع قوى تتقدمهم عدداً وتتفوق عليهم قدرة عسكرية وميدانية ما يؤدي الى قتلهم اوتهجيرهم.
وقد نجح أصحاب استراتيجية اقتلاع المسيحيين من الشرق نجاحاً يسجل لهم بشكل لافت، خاصة في لبنان (حيث كان الحكم لهم وكانت الدولة فصلت على حد زعم البعض لتكون دولة للمسيحيين)، وفي العراق حيث كان شأنهم بالغ الأثر في السياسة والاقتصاد وقبلها في فلسطين ايضاً. أما في بقية البلدان العربية ـ باستثناء سوريا ـ فإن وضعهم يستمر بالتردي سنة بعد سنة ويتآكل وجودهم ودورهم (الضعيف اصلاً) من غير ان يشعر بذلك احد او تطرح علامات الاستفهام حولهم، باستثناء مصر حيث ان الحديث عن مستقبل الأقباط ومصيرهم والمخاطر التي تتهددهم راح يتعالى، والمسألة لم تعد فكرة تُطرح في مقابلة او مقال بل اصبحت امراً جدياً يشعر به اصحاب الشأن ولا يستطيع احد اخفاء الحقيقة فيه.
إثر هذا التحول استشعر العقلاء من المسيحيين المشرقيين الخطر الداهم، ولمسو ان الغرب (الذي عولوا عليه منذ مئات السنين لحمايتهم) باعهم ببرميل نفط او رزمة من الملفات والصفقات، وأن الحماية في زمن القناصل انقلبت الى تضحية بهم في عهد السفراء والجنرالات العسكريين الذين يرون ان حماية المشروع الغربي تفرض التخلي عنهم.
ومع وضوح الصورة انبرى بعض قادة المسيحيين، ومنذ ثلاثة عقود، لمواجهة الخطر ورفض الخطة الجهنمية ضدهم، فكان ان تصدى الرئيس سليمان فرنجية عام ١٩٧٦ للمبعوث الاميركي الذي جاء يعرض هجرة المسيحيين من لبنان، فطرده ودفع الرئيس ثمناً لذلك قتل ابنه وعائلته على يد أدوات المشروع، ومع ذلك استمرت الخطة واستمر الخطر وكان قدر المسيحيين اللبنانيين ان يواجهوها مرة جديدة، وانبرى أصحاب الوعي منهم ليجاهر بقرار التشبث بالدار واستقلال القرار ورفض المشيئة الغربية.
وفي نتائج المواجهة حتى الآن نجد انها كانت في العقدين الاولين نصف نجاح ونصف فشل، فقد فشل المشروع بتهجير المسيحيين كلياً من لبنان لكنه نجح بنزع السلطة منهم عبر اتفاق الطائف، الذي كان الجسر الذي يعبر عليه تحجيمهم فيها، وبالتالي دفعهم فردياً او مجموعات صغيرة الى الخارج هجرة نهائية، فنزح نصفهم تقريباً في اقل من ثلاثة عقود. لكن النجاح البارز سجل في العراق في ظل ورعاية الاحتلال الاميركي فهجر حتى الآن خمسة أسداس المسيحيين منه، ومن تبقى منهم بات مذعوراً خائفاً ينتظر الفرصة لتأمين حياة معقولة خارج العراق لينجو بنفسه وعائلته بعد ان رسم المحتل هناك خريطة سياسية للبلاد ليس للمسيحيين محل فيها (فقـط شـيعة وسنة وأكراد).
أمام الخطر المحدق بهم، كان على المسيحيين ان يتخذوا قراراً مصيريا: إما الإذعان والسقوط والفرار، او المواجهة والعمل للثبات في المواقع والدفاع عن النفس بما تيسر. وهنا نرى ان فئة منهم طلبت السلامة وهجرت، وفئة استمرت في اوطانها ولكنها انقسمت على ذاتها فكان منها جزءان، واحد اختار ان يكون في خدمة المشروع مقابل ان يضمن له المشروع مصالح فردية ذاتية آنية، ما يعني نجاة الفرد وهلاك الجماعة على يد المشروع، وفئة اختارت ان تواجه المشروع بما اوتيت من قوة وإمكانات. وشهد لبنان وجود هاتين الفئتين معاً ومن هنا نفهم انقسام المسيحيين اللبنانيين اليوم انقساماً تنعدم معه تقريباً فرص المصالحة واللقاء. حيث نجد فئة تعمل للغرب ضد ذاتها، وفئة عليها مواجهة الغرب لإنقاذ ذاتها. فأي من الاثنين سينتصر؟
من حسن حظ المسيحيين اليوم ان هناك فرصا مستجدة يمكن استغلالها من قبلهم لانقاذ ما تبقى من وجودهم ونفوذهم في هذا الشرق، فرص تبدو في ما يلي:
ـ تعثر المشروع الغربي تعثراً يتزايد وتتعقد مصاعبه وعوائقه، ما يعني ان الضغط عليهم في المستقبل المنظور قد تخف وطأته ويتراجع بتراجع المشروع ذاته.
ـ اضطراب في المستوى القيادي لأصحاب المشروع، دولياً وإقليمياً، حيث تسري فترات انتقالية، تتعلق بتداول السلطة، أو إعادة النظر بالاستراتيجيات التي عمل بها وتبين فشلها.
ـ تقدم ونجاح مناهضي المشروع الغربي في المنطقة في معاركهم الاخيرة ضد المشروع وإبدائهم كل استعداد لمد المسيحيين بكل أسباب الدعم والاحتضان والمساندة لتثبيتهم في ديارهم، لأن في هذا العمل وجه من وجوه مقاومة المشروع الغربي الأميركي الصهيوني.
لكن ومع هذه الفرصة تبدو مأساة المسيحيين من خلال ارتماء جزء منهم (بصرف النظر عن حجمه وأهميته) في أحضان ارباب المشروع الغربي لحد اتخاذهم ادوات له، ارتماءً عن علم او جهل بالمصير الذي يخطط لهم، اما الأمل فبابه مفتوح من خلال وعي جزء آخر للخطر واستعداده للمواجهة، التي اتخذ قراراً بها، كما والبحث عن مصادر القوة لربح المعركة. بهذا نفسر مثلاً سلوك العماد ميشال عون وقراره (خاصة بعد عودته الى لبنان وتيقنه من القرار الاستراتيجي الأميركي الكبير بحق المسيحيين) بالتفاهم مع حزب الله المقاوم للمشروع الغربي، ثم الاستمرار في سلوك المواجهة بزيارة الى ايران الممانعة للمشروع الغربي، سعي تقابله محاولات لإجهاضه من قبل مسيحيين آخرين لا تفسر مواقفهم إلا انتحاراً او...
المسيحيون المشرقيون وجوداً ودوراً هم في خطر حقيقي، وعليهم ان يدركوا ذلك وأن يدركوا ان الغرب تخلى عنهم وأن مصلحته تقضي التخلص منهم، فاذا كانوا يريدون الاستمرار في هذا الشرق، وهم منه وأهله، فعليهم أن يتشبثوا ببلادهم وانتمائهم لها وأن يواجهوا المشروع بسلوك يتضمن:
ـ مهادنة داخلية تمنع الصراع البيني المدمر، خاصة اذا كانت المصالحة مستحيلة لأن الغرب يمنعها.
ـ النظر الى المستقبل البعيد وتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية الذاتية.
ـ التكامل مع مناهضي المشروع الغربي في هذا الشرق، انظمة رسمية وتنظيمات شعبية.
ـ رفض أي صيغة من صيغ التهميش وتعطيل الدور والفعالية.
ـ النأي بالذات عن لعب وظيفة الأداة بيد أرباب المشروع الغربي، وعزل من يرتضي هذا الدور مهما كان حجمه وقدره أو تاريخه وسلوكه.
فرصة متاحة فهل يغتمنها المسيحيون بمساعدة أشقائهم؟ ويفشلون خطة اقتلاعهم من الشرق ويثبتوا مرة اخرى قدرة الأديان على العيش معاً خلافاً للمقولة الصهيونية. إن الأمر واجب، واجب وطني وقومي وديني على اهل الشرق جميعاً (مسيحيين وغير مسيحيين)، أن يلعبوه لإنقاذ ذواتهم وأوطانهم... فهل يبادرون قبل فوات الأوان.
عميد ركن متقاعد