الدور الضائع في زحام الأدوار

30 تشرين الأول 2008 رفيق خوري - "الأنوار"



الصمت خارج اللقاءات ليس من عادات الموفدين الى لبنان. فالبلد مفتوح تنتقل الأخبار وتنكشف الأسرار فيه بسرعة الضوء، وتكاد السياسة ان تكون مجرّد مسرح للكلام. وكثرة وسائل الاعلام على أرضه وفضائه تغري من يعرفه جيداً ومن يبدأ التعرّف اليه بأن يقول للناس ما يوحي انه يضع مهمته تحت الأضواء. لكن الموفد المصري اللواء عمر القناوي خالف القاعدة. فهو قضى أياماً يحاور المسؤولين وغير المسؤولين من كل ألوان الطيف السياسي من دون أن يقول كلمة واحدة أمام الميكروفونات. وعذره انه من الذين يفضّلون العمل في الظلّ كنائب لرئيس الاستخبارات. أليس (بين الظلال) هو العنوان الذي اختاره روبرت غيتس لمذكراته حين انتهى عمله كمدير للمخابرات المركزية قبل أن يصبح وزير الدفاع الأميركي الحالي? ألم يكن من الأفضل ان توفد القاهرة شخصية سياسية تلتقي الشخصيات اللبنانية، بصرف النظر عن كون رجال الأمن في معظم الأنظمة العربية هم الأقوى والأكثر خبرة وقدرة على الاستماع والاقناع، بحيث يفضّل الحكام ايفادهم في المهمات الصعبة?
مهما يكن، فان ساعات قليلة كانت كافية لكي تعرف الناس الخطوط العامة والتفاصيل في مهمة الموفد المصري. فلا التكتم ممكن في لبنان. ولا هو ضمان للنجاح، سواء كانت مصر تجدد دورها لرد المخاطر عن الوطن الصغير وفيه، أو كانت المنطقة تواجه تحديات أدوار غير عادية يكبر بعضها ويصغر البعض الآخر.


ذلك ان لعبة الأدوار، هي، وسط كل المتغيرات، من الثوابت في تاريخ لبنان منذ القرن التاسع عشر: أيام الامارة الشهابية، والقائمقاميتين، والمتصرفية، ولبنان الكبير قبل الاستقلال وبعده. وهي خليط من الصراع والتنافس والتحالف بين دولة أو أكثر ضد دولة أو أكثر. فالنظام الطائفي يستجلب الأدوار ويعيش عليها. والأدوار نفسها تستجلب الأدوار. وفي لبنان اليوم زحام أدوار: أميركي، فرنسي، سوري، ايراني، سعودي، مصري، وأخيرا قطري. فضلاً عن أدوار الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي.
وكلما جاء صاحب دور سمع ان المطلوب منه ان يكون على مسافة واحدة من الجميع، وقيل له في السر ان عليه ان يكون داعما لطرف واحد. وكلما تحدث صاحب دور أعلن انه مع الجميع، وعمل في الكواليس لدعم طرف واحد. والنتيجة أدوار لكل الدول من دون الدور الوحيد المطلوب للدولة في لبنان.




Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.