فيروس المصالحات الإسلاميّة لا ينتقل بالعدوى
31 تشرين الأول 2008
ابراهيم الأمين - "الأخبار"
إذا كان صعباً منذ الآن تحديد هدف الرئيس ميشال سليمان الفعلي من حديثه عن الكتلة النيابية، فإن ما يرجّحه بعض الأقطاب لجهة تحريضه من جانب جهات عدة على ترؤس كتلة مرشحين تخوض الانتخابات في كل مكان، أمر يحتاج إلى تدقيق، لأن كل المعطيات السياسية والانتخابية لا توحي أن بمقدور رئيس الجمهورية خوض الانتخابات في هذه المرحلة، والاستقطاب الحاد القائم الآن مسيحياً، لا يسمح لموقع مثل رئيس الجمهورية بأن يتحول عنصر جذب، فكيف وعهد الرئيس سليمان نفسه قد جرى تنظيمه بعيداً عن هذا الاستقطاب؟ لكنّ المعادلة لا تلغي احتمال أن يلجأ مرشحون من قوى 14 آذار الذين يعانون عقدة العمل خلف قائد «القوات اللبنانية»، سمير جعجع، إلى الركض خلف سليمان وطلب رضاه أو رعايته لهم. وهذا ما يفترض فريق 14 آذار أنه سوف يقلق العماد عون، علماً بأن الأخير له ما له في الوسط المسيحي، وبات صاحب حضور يتجاوز هذه المجموعة إلى خارج لبنان. حتى الغرب الذي ناصبه العداء خلال الأعوام الثلاثة الماضية سوف يباشر، قريباً، حفلة من الودّ والحبّ تجاهه.
وهذا ما يجعل القلق في مكان آخر، وتحديداً عند من افترض أنه يقاسم عون الشارع المسيحي، أي عند جعجع الذي بدأ الآن يعاني مشكلة مع الكتل الناخبة والوازنة عند فريق 14 آذار، من منصور غانم البون الذي لن يقبل به حليفاً مباشراً أو غير مباشر في كسروان، إلى الشوف حيث بات جنبلاط يفضّل دوري شمعون الذي هو بلا حيلة، على جورج عدوان، فيما قرر الرئيس أمين الجميّل خوص معارك ترشيحات في كل الدوائر المسيحية، علماً بأنه في البترون مثلاً لن يكون قادراً على سحب سامر جورج سعادة ولو أراد ذلك، فيما ستكون هناك مشكلة كبيرة في بعبدا إذا أصرّ جعجع على ترشيح الزميلة مي شدياق مكان مرشّحي الكتائب، بينما لن يكون بمقدور آل المر وأنسبائهم دعم إدي أبي اللمع الذي يصعب على نسيب لحود أن يجيّر له أصواته القليلة أصلاً.
وأكثر من ذلك، فإن جعجع الذي يسعى جدّياً لتحقيق مصالحة مع تيار المردة، لا يفعل ذلك للوصول إلى مصالحة مع العماد عون، بل لأنه يرى أنّ له قضاء بشرّي، وأنّ للوزير السابق فرنجية قضاء زغرتا، وأنّ البحث في الأمكنة الأخرى رهن التحالفات الكبيرة. وهو، أي جعجع، يهتم أكثر من أي أحد آخر بإنجاز المصالحة المسيحية شمالاً، لأنه لا يريد المزيد من وجع الرأس هناك، ولكي يتفرّغ للمناطق الأخرى، وتحديداً لجبل لبنان. ولإدراكه هو هذا البعد، يعرف جعجع أنّ فرنجية ليس في خدمة معاركه، وكذلك فإنّ العماد عون أو الرئيس الجميّل قليل الحماسة لمشاهدته مستعيراً ثياب القديس من بكركي، حاملاً مشعل الحق والحرية ومتنقّلاً بين قرى جبل لبنان وبلداته.
لذلك، فإن النقاش المفترض بشأن الواقع المسيحي يمكن أن يستمر كما هي الحال عليه حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة. ومعه ستستمر جهود جهات وشخصيات مسيحية تسعى إلى نقل فيروس المصالحات الإسلامية إلى الجسد المسيحي، علماً بأن المنطق الذي تطلّب العلاج عند المسلمين ليس تماماً ما هو عند المسيحيين. وببساطة، فإن الأمر يعود إلى كون الوجه الخارجي للصراع في لبنان أو على لبنان، لا يستند فعلياً إلى اللاعب المسيحي، بل يتعامل معه كعنصر إضافي، وهو التحوّل الفعلي لدى الغرب ولدى العرب القريبين والأبعدين، عندما وجدوا أنّ الأولوية الآن للوضع الإسلامي، وتحديداً السنّي. ولولا الحضور الخاص للشيعة بسبب مقاومة حزب الله، لا أكثر ولا أقل، لما كان هؤلاء في قلب المعادلة المعقّدة.
ومع ذلك، يخرج جعجع متحدثاً عن خلاف أيديولوجي مع العماد عون. وللحظة تخال نفسك أمام مشهد لا يتعلّق ببلد اسمه لبنان، ولا بساحة محصورة بين جبلين وسط لبنان الصغير، ولا مع مجموعة قوى وشخصيات لا تملك قدرة على نقل رشاش أو دولار أو أي شيء آخر إلى أقرب الأمكنة من لبنان. وربما كان أجدى بجعجع الحديث عن خلاف أخلاقي يتصل بالسبل التي يتوسّلها فريقه أو فريق العماد عون للحفاظ على ما يُرفع الآن من شعار المصلحة المسيحية العليا. أما إذا كان جعجع، العائد من الأزهر الكبير، ثم مستفيداً من دروس رجال الاستخبارات المصرية، يريد معركة إضافية مع العماد عون لأن الأخير متفاهم مع حزب الله وزار إيران، فربما كان الأجدى به الحديث عن خلاف فقهي.
ذات يوم، بعد الشروع في تطبيق الطائف، قام جعجع برفقة عدد من قياديي «القوات اللبنانية» بزيارة إلى سوريا مقدّماً التعازي إلى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد لمناسبة وفاة نجله باسل. وعندما عاد إلى بيروت، أرسل جعجع في طلب من كان مكلّفاً منه بالتواصل مع العميد في حينها غازي كنعان قائلاً له: شو رأيك بهذه الخطوة؟ كبيرة مش هيك؟ ارتاح الوسيط في مقعده وأجاب: إن شاء الله ما يصيبكم مكروه في العائلة، لأنّو في هذه الحالة سوف يرسل الأسد من يقدّم لك التعازي!
غضب جعجع في داخله، وانتظر بعض الوقت قبل أن يلقي خطاباً طنّاناً رنّاناً في عشاء نظّمه القواتيون من الشوف في أحد مطاعم كسروان. وقف جعجع يومها بثيابه المدنية التي بدت كبيرة عليه. كان يلملم أكمامه كل الوقت، وهو يرفع إصبعه ويصرخ داعياً «إلى سلام الشجعان مع سوريا». وما لبث أن أرسل مجدداً في طلب وسيطه وسأله: كيف تعتقد سيكون ردّ الشام علينا؟ فوقف وسيطه وقال له: هل تخال نفسك إسحاق رابين؟!
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.