انتظار المفاعيل الجدّية للمصالحات الأخرى على أبواب الانتخابات
الأسباب التي تقلّل أهمية المصالحة المسيحية وتستبعدها
31 تشرين الأول 2008
روزانا بومنصف - النهار
هل هناك مبالغة في الكلام على المصالحة بين الافرقاء السياسيين في لبنان، ولا سيما بين الافرقاء المسيحيين؟
هذا هو الانطباع الذي يخلّفه الكلام المتواصل على مصالحات لم تعد تثير اهتماماً كبيراً، لمراوحتها مكانها وعدم تقدمها على مدى اسابيع من المد والجزر السياسيين، ولا تكتسب في الواقع طابع المصالحات الفعلية بين زعماء واجه معظمهم سوياً ظروفاً صعبة خلال الوصاية السورية على لبنان بعد اتفاق الطائف ولم يجدوا وسيلة للمصالحة، على رغم مرور اعوام طويلة على الحرب في ما بينهم وتوريطهم العائلات اللبنانية في صراعاتهم السياسية الحادة. اضف الى ذلك الاقتناع بعدم امكان حصول المصالحات اولاً لأن الخصومة على المستوى الفردي بين الزعماء المسيحيين هي بمثابة الخبز اليومي لهم وسيخوضون على اساسه الانتخابات النيابية المقبلة، ثم لان طبائع الزعماء المسيحيين والخلافات في ما بينهم تكتسب الطابع التاريخي ان بين زعيمي "المردة" و"القوات اللبنانية"، او بين زعيمي "القوات" و"التيار الوطني الحر" بحيث ان نفوذ كل منهم في الوسط المسيحي يبنى على اساس اظهار العداء للآخر، واظهار كل منهم انه المرجعية اللازمة والحقيقية لخيار المسيحيين. وليس هناك تفاؤل كبير في هذا الاطار، اذ ان اياً من الافرقاء المسيحيين لا يبدي استعداداً حقيقياً من اجل فتح صفحة جديدة تطوي صفحة العداء كما يبدون الاستعداد لفعل ذلك مع الافرقاء الاخرين. وهذا ينسحب على ما حصل حتى اليوم من طي لصفحات الحرب مع الآخرين في الاعوام الثلاثة الماضية والاستعدادات المستقبلية لطي صفحة الحرب والخلافات حتى مع سوريا على ما يبدي "التيار الوطني الحر"، في مقابل رفض فتح صفحة جديدة مماثلة ان مع البطريركية المارونية وسيدها أو حتى مع الافرقاء المسيحيين الآخرين، نظرا الى التنافس على السلطة في ما بينهم، وان تكن سلطة محددة بالزعامة على المسيحيين فحسب، والسعي الى التكلم باسمهم لا غير، أو باسم من تبقى منهم في لبنان.
وواقع الامر ان المصالحات بين المسيحيين لا تكتسب اهمية المصالحات او بالاحرى المصارحات بين الافرقاء السياسيين من الطوائف الاخرى، باعتبار ان التحدي الحقيقي الذي يرتب انعكاسات خطيرة على لبنان في المرحلة الحالية من الظروف والتطورات السياسية المتزاحمة يتصل باتسام الصراع بين هؤلاء الافرقاء الموزعين طائفيا بامتدادات اقليمية مذهبية لها خيارات سياسية متنافسة ومتصارعة على مستوى المنطقة، وتجد ترجمة لها ومتنفسا في لبنان بطريقة او باخرى، في حين ان الصراعات بين المسيحيين، على رغم اتصالها من هنا او هناك بالصراع الاقليمي، لا تتسم بالاهمية نفسها، وكذلك، المصارحات أو المصالحات المحتملة، ولا يعتقد ان الصراع المسيحي - المسيحي قد يتطور الى حوادث خطيرة على غرار ما حصل في الماضي لان الزعماء سيتحملون هذه المرة مسؤولية الأذى الذي سيلحقه صراعهم، بالوجود المسيحي في لبنان اكثر من اي مرة سابقة. في حين ان الصراع السني - الشيعي ربما يورّط لبنان في حرب اهلية حقيقية تترجم ما يحصل من احتقانات في المنطقة.
الا ان بعض القائمين بمساعي المصالحة يقولون بعدم وجوب التخفيف او التقليل من اهمية المساهمة في منع التشنجات والتوترات بين الافرقاء فلا تتكرر حادثة بصرما مثلا او ما يشابهها، وخصوصا ان لمثل هذه الحوادث انعكاسات خطيرة على المسيحيين لانها تدفعهم الى اليأس والهجرة. لذلك تكتسب المساعي اهميتها في رأي هؤلاء، كما تساهم في اراحة الاجواء المسيحية بعض الشيء، علما ان ليأس المسيحيين واندفاعهم نحو الهجرة اسبابا اخرى اكثر عمقاً واتصالا بالخيارات السياسية راهنا منها بالحوادث الفردية، امنية كانت ام سياسية على اهمية الاخيرة.
تضاف الى ذلك الاعتبارات التي تضفي اهمية مبالغا فيها بالنسبة الى المصالحة بين المسيحيين، وخصوصا ان المصالحات الاخرى تبدو مشكوكا فيها من حيث صدقيتها وجديتها على عتبة انتخابات نيابية تجري مراهنات كثيرة حول تحقيق انتصارات كاسحة فيها. لذلك يرى متابعون كثر ان موضوع المصالحة بين الافرقاء المسيحيين تحول بدوره موضوعاً او مادة انتخابية من اجل كسب النقاط في خانة هذا او ذاك ورمي كرة الرفض وتعطيل الجهود في ملعب الطرف الآخر، أو ربما ايضا في كسب النقاط في خانة اطراف آخرين من العاملين على خط المساعي او حتى في خانة المتضررين منها. لكن الموضوع يشكل في الوقت نفسه مادة مهمة من اجل تقطيع الوقت الضائع الفاصل عن موعد الانتخابات، باعتبار انه بمثابة مسيرة متواصلة حتى وان لم تعط نتائج مباشرة باستثناء ربما بعض التهدئة الكلامية اعلاميا وسياسيا. وهذا في ذاته امر لا يستهان به نتيجة ما عرفه لبنان والمناطق المسيحية من حوادث مؤلمة خلال اعوام طويلة. وثمة عامل آخر لا يسمح بالتعويل كثيراً على طبيعة هذه المصالحات يتصل بالسعي الى معرفة حقيقة ما رتبته المصالحات الاخرى التي حصلت حتى الآن من نتائج فعلية، وليست وهمية او دعائية فحسب. وهذا الامر يحتاج الى بعض الوقت كي يظهر بوضوح.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.