الكتلة الوسطية تثير هواجس.. وعلاقة سليمان ـ عون في مرمى "القناصة"

01 تشرين الثاني 2008 عماد مرمل - "السفير"



سؤال وجواب كانا كفيلين بإطلاق نقاش داخلي حاد لامس حدود السجال حول كلام رئيس الجمهورية المتعلق بالكتلة النيابية المستقلة. سئل الرئيس ميشال سليمان خلال أحد لقاءاته عما إذا كان يريد ان تكون له كتلة نيابية في المجلس النيابي الجديد، فأجاب بانه لا يريد كتلة له وإنما للوطن، تتولى ترجيح كفة المصلحة العليا عندما يشتد التجاذب بين القوى الداخلية.
فتح هذا الكلام الباب أمام اجتهادات مختلفة وأثار هواجس كامنة، وأتاح لـ»القناصة« السياسيين ان يصوبوا على العلاقة بين الرئيس سليمان والعماد ميشال عون، مستفيدين من »الطبيعة المرهفة« لهذه العلاقة التي تخضع للكثير من التأويلات منذ ان طُرح اسم سليمان مرشحا جديا الى رئاسة الجمهورية.
الاكيد ان الرئيس اختار كلماته بدقة في معرض محاولته تفادي الغرق في الرمال المتحركة للانتخابات النيابية المقبلة، متعمدا ان يترك مساحة للالتباس تحفظ له هامشا واسعا للمناورة السياسية المشروعة على مسافة قرابة سبعة أشهر من فتح صناديق الاقتراع.
لم يقل صراحة انه سيسعى الى تشكيل كتلة تحمل رايته وتبشر بأفكاره في مجلس النواب ، ولكنه لم يقطع الطريق امام »العمل التطوعي« لمرشحين يرغبون في التحلق حوله، من تلقاء أنفسهم، لخدمة »الوطن«. هو »الغموض البناء« الذي يتلاءم مع السلوك التوافقي المعتمد من رئيس الجمهورية منذ وصوله الى قصر بعبدا. ومع ذلك، فان البعض قرأ في قوله بان »الوطن يحتاج الى كتلة« عبارة مشفّرة او مرمّزة تشي برغبة سليمان في ان تكون له »أظافر نيابية« تتيح لدوره التوافقي ان يغدو أكثر فعالية وسط »الانياب« المحيطة به من كل الجهات.
بطبيعة الحال، شعر مؤيدو العماد عون بان أي مجموعة نيابية »يغطيها« رئيس الجمهورية، او تضع ذاتها بتصرفه، ستتشكل في نهاية المطاف على حساب الجنرال ومن »كيسه«، سواء جاءت باسم الوطن او باسم الرئيس مباشرة، ذلك ان »الجغرافيا السياسية« تقود الى الافتراض بان الساحة المسيحية - وخصوصا منطقة جبل لبنان - هي البيئة الاكثر ملاءمة لتكوين كتلة داعمة للرئيس، الامر الذي يعني الانزلاق الى منافسة إن لم نقل مواجهة مع عون، إلا إذا كان ممكنا إيجاد مجموعة مختلطة من النواب الوسطيين، تضم مسلمين ومسيحيين، بحيث لا تبدو موجهة ضد عون حصرا.
أما في حال لم تتسم هذه الكتلة المفترضة بالتنوع الطائفي الذي يمنع إثارة »الشبهات«، فعندها لن يكون صعبا امام المختصين بالاصطياد في الماء العكر الايحاء بان رئيس الجمهورية يزاحم رئيس تكتل التغيير والاصلاح على الزعامة المسيحية، وصولا الى الايقاع بينهما ومن ثم إضعافهما معا.
وسليمان الذي يدرك جيدا حساسية هذه المعادلة، كان حريصا على ترسيم حدود واضحة لموقفه، بعيدا عن التفسيرات غير الدقيقة ألتي أعطيت له من خارج النص. وحسب زوار الرئيس مؤخرا، فهو بدا راغبا في التشديد على ان ما نقل عنه جاء في إطار الرد على سؤال حول ما إذا كان يسعى الى تكوين كتلة نيابية، فأجاب بان المطلوب كتلة للوطن وليس للرئيس، وأضاف سليمان مخاطبا من استوضحه حقيقة رأيه: انا لا أستطيع ان أعارض حق المستقلين في الترشح.. هذا شأنهم ولا يمكن ان أمنعهم بل أشجعهم إنما من دون ان أتبناهم وأخوض معركتهم، وإذا أراد هؤلاء او بعضهم ان يضعوا انفسهم بتصرف الرئيس كمستقلين، فأنا لا أستطيع ان أرفض او ان اقفل ابواب القصر الجمهوري في وجههم.. وتابع غامزا من قناة من يهمه الامر: أنا لا أؤمن بالمصادر.. هذا هو موقفي الاصلي.
ولكن ذلك لا ينفي حقيقة ان بعض المتحمسين للرئيس، ينظّرون لفكرة ان يؤسس كتلة نيابية وسطية، من دون خجل، وإلا فلا بأس بـ»تجيير« كتلة لحسابه، تكون مستقلة عن قوى ٨ و١٤آذار، وتتركز وظيفتها وفلسفتها على حماية التوازنات الداخلية والتخفيف من حدة الاستقطاب الحاد بين فريقي الصراع في البلد وبالتالي تعزيز موقع رئيس الجمهورية الذي سيستطيع عبر الكتلة المفترضة ترجيح كفة »المصلحة الوطنية« عند أي نزاع بما يتيح تفعيل سياسته التوافقية وممارستها بالاستناد الى »قواه الذاتية« وليس الى منّة أو عطف من أحد، وخصوصا ان الفارق المحتمل بين ما يمكن ان تحصل عليه الموالاة والمعارضة في الانتخابات المقبلة لن يتجاوز حسب التوقعات بضعة مقاعد، وهذا من شأنه ان يجعل كتلة الرئيس او الوطن »بيضة القبان« في مجلس النواب.
في المقابل، تحذر أوساط المعارضة المسيحية من مخاطر انزلاق رئيس الجمهورية الى مغامرة كهذه، مهما جرى تجميلها وتبريرها، لانه إذا كان المطلوب منه ان يظل على مسافة واحدة من جميع اللبنانين، فالاولى ان يبقى على مسافة واحدة من جميع المسيحيين وتجنب أي »حادث سير« سياسي او انتخابي مع العماد ميشال عون، برغم ان هناك من يحرضه على ذلك، متسائلة: لماذا يراد للكتلة الحيادية ان تكون مسيحية فقط وتمتد بين المتن وجبيل حصرا؟
وترى هذه الاوساط ان معركة سليمان الحقيقية يجب ان تتركز على إعادة الاعتبار لصلاحيات الرئاسة التي تم »قضمها« خلال عهد الرئيس السابق إميل لحود، بعدما كان اتفاق الطائف قد فعل فعله أيضا في هذا المجال.
ويبدو ان هناك من فاتح رئيس الجمهورية بهذا الموضوع وسأله: هل ستعتمد خيار الافراط في التوافق للسنوات الست من عهدك؟ وهل سيبقى مفعول هذه القاعدة ساريا الى ما بعدك؟ وفي هذه الحال، كيف تُضمن حقوق المسيحيين. اليست رئاسة الجمهورية التي تمثل المسيحيين في السلطة هي المعنية بالحفاظ على حقوقهم؟
ويعتقد أصحاب هذا الرأي في المعارضة المسيحية انه من الضروري ان يكون الرئيس حكما مهاب الجانب، ويشكل ضمانة دستورية لا سياسية فقط للتوازن، وهذا يستوجب ان يتمتع بصلاحيات تمنحه القدرة على ان يقول نعم او لا في الوقت المناسب، إذ حتى الحكم في مباراة لكرة القدم لا يكتفي بالصافرة وحدها ويتسلح بالبطاقة الصفراء والحمراء لفرض قانون اللعبة وضبط اللاعبين، فكيف برئيس الجمهورية المسؤول عن البلد كله، ومع ذلك اكتفى الطائف بإعطائه الصافرة ونزع منه غالبية البطاقات الصفراء والحمراء، وما تبقى منها أعيد تحويره تحت وطأة النكايات السياسية في عهد لحود، بما أدى الى تفريغه من فحواه.
وتشدد الاوساط على ان الدستور الحالي، وبرغم كل علاته، ينطوي على غموض بناء يمكن ان يفسر لمصلحة الرئيس، بشكل يعزز قدراته ويعوض بعض الشيء الصلاحيات التي نزعت منه سواء بالتوافق او بالتحايل، وهذه المهمة يجب ان تكون من أولويات أجندة سليمان الذي تؤكد المعارضة المسيحية حرصها على عدم الاصطدام به، جازمة بانه لن يكون بمقدور أحد ان يدق إسفينا بينها وبين سيد القصر، لاسيما وانها تعلم بان الراغبين في الاستثمار على أي خلاف هم كثر ولن يملوا من الانتظار.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.