|
 |
|
بطلُها قدموس بن أغنور ملِكِ
صور، وهو عظيمُ عظماء. حقّقَ أعجوبةَ العقلِ
الثّانية في أواسطِ القرنِ السّادسَ عشَرَ قبلَ
المسيح، أي في عصرِه وما بعدَ عَصرِه بقرنَين أو
ثلاثةِ قُرون.
قدموس العبقريُّ الكونويُّ، اخترعَ الأبجديّة.
قالَها القُدامى، ومنهم هيرودوت(5، 58)، وأوفور،
وكليمان الإسكندريّ ("س"، 1، 16، 75)، وننّوس (4،
26 م.ب.) وغيرُهم... وقلنا نحن: انطِلاقًا من
مُحاولاتٍ جبيليّة. وبلَغَ قمّةَ التّجريدِ
الفِكريّ، بجَعلِه الزّواجَ بين الحُروفِ
والرّنّاتِ الصّوتيّةِ أحادِيًّا، بحيث مثّلَ
الحرفُ الواحِدُ رنّةً واحدة، والرّنةُ حرفًا
واحدًا، فجاءت أبجدِيّتُه القَدمو-جبيليّةِ شِبهَ
كامِلة — بل كامِلةً، يقول مُحلّلُها، دونان، إذ
ربّما كانت تُؤدّي "الفْوَيّيلات" الّتي لم
تُلحَظ، ولُحِظَت في أبجديّةِ أوغاريت
المِسماريّة-الفينيقيّة (14 ق.م.)، بتَغييرِ
أوضاعِ الحروف. |
|
نُصبٌ
للمعلّمِ قَدموس (ق 16 ق.م)، وهو يُعلِّمُ
أبجديّتَه للقارّاتِ الخَمس، أقامَته جاليتُنا في
مِكْسِيكو، بسَعيِ من الأستاذ جوزف نفّاع،
سَفيرِنا آنذاك |
ومن أحرُفِه الـ 9 الأُولى، شقَّ قدموس
أشكالَ الأرقامِ، والصِّفر. ومَن يؤرِّخون عندَنا بموجِبِ
حِسابِ الجُمَّل، لا يَزالون يَستعمِلون الحروفَ للدّلالةِ
على الأرقام. وعمَّ ابجدِيّتَه — كما أرقامُه — على
العالم. وهي سابِقةٌ لأبجديّةِ ناووس أحيرام الشّهير،
بثَلاثةِ قرون. ولا تَزالُ الأونسكو — بل أهمُّ
المؤسَّساتِ الفكريّة —، تعتَبِرُ الأبجديّة
(القَدمو-جبيليّة)، أعظمَ اختِراع.
وقدموس أعادَ إلى الفينيقيّين أمبراطوريّةِ العالم، يقول
ننّوس (3، 425 م.ب.). لقد صدفَ أن اختَطفَ تور، ملكُ كريت
وزوش إغريقيا، أوروپّ بنتَ الملكِ أغنور، يقول المؤرّخون
الرّصينون منهم ملالا — وأوروپّ هي الّتي على اسمِها
سُمِّيَت القارّة الّتي غدَت "قارّة الحضارة" (هيرودوت، 4،
45) —. وبقَصدِ التّمويه، زَعمَ الخاطِفون، ومثلَهم بعضُ
الميتولوجيّين (أپّولّودور، 3، 1، 1)، أنّ مُختطِفَها هو
زوش، كبيرُ آلهةِ الأغارقة، وقد تحوّلَ إلى ثور. لكن لم
تنطَلِ الحيلةُ على أهلِها. وككُلِّ أب لبنانيٍّ، غَضِبَ
والدُها، وأمرَ إخوتَها باستِرجاعِها، فكانت لـ قدموس
بِداية مُغامرةٍ عبرَ العالم. بدأها بضَبطِ أمورِ
لبنان-فينيقيا الأكبر، من كيليكيا شمالاً، الّتي سُلّمَت
لأخيه كيليك، إلى حيفا وتور-فونيكون جنوبًا، الّتي سُلّمَت
إلى أخيه حيفى (ننّوس، 2، 680 م.ب.). ومع أخوَيه تازوس
وفنيكس ورُفقائِهم، أعادَ احتِلالَ العالم، جُزُرًا،
وشَواطىءَ، وقارّات (توسيديدْ، 1، 8). فبعدَ أن أمَّ كريت،
أوحى إليه الآلهة بأن يترُكَ أختَه لسَعادتِها، ملِكةً
ممَدِّنةً للجزيرة، ومع قدامسَتِه احتلَّ جزرَ إيونيا،
والسِّيكْلاد، والسّبُّورادْ الّتي التقى، في إحداها،
ساموس، هَرمونيا الحلوة من أصبحَت زوجتَه وحبيبةَ عمرِه،
واصطَحبَها إلى ساموتْراس ليتَزوَّجا، لأنّ أمَّه وأخاه
تازوس — الّذي على اسمِه الجزيرةُ الملأى بالذّهب
(هيرودوت، 6، 47) —، كانا يَنتظِرانِه هناك. لكنّ أمّه
انتقلَت إلى دِيارِ ربِّها، فانتقلَ ابنُها إلى القارّةِ،
ومعه خطيبتُه "الّتي احترَمَها" (ننّوس، 4، 235).
وانطِلاقًا من تْراقيا، بنى مئاتِ المدن الّتي سُمِّيَت
بأسماءِ أبطالِنا وبطلاتِنا. منها پّاروس — حيث وُجِدَت
رُخاماتٌ حُفِرَ عليها تاريخُ وُصولِه إلى هناك: 1520 ق.م.
ومنها طيبا عاصِمةُ قدموس (ننّوس، 5، 50 م.ب.)، حيث
تزوّجَ، وبنى قصرَه "القدميّة" (أپّولودور، 3، 1، 1)،
الّذي اكتُشِفَت آثارُه وآثار عاصمتِه طيبا مؤخَّرًا،
فانتشَلَت القدامِسةَ نِهائيًّا من عالمِ الأُسطورة. وبنى
قدموس أيضًا دِلْفْ الّتي أصبَحَت مدينةَ الأغارِقة
المقدّسة والّتي على اسمِ أمِّه تلفَسّا. وتقعُ قُرب جبل
البّارْناسّ الّذي كرَّسَه الفينيقيّون للعِبادة، كما
كرَّسوا الأولَمبّ لسكَنِ "الآلهة"، وذلك قبلَ أن ينتقِلَ
قدموس وهرمونيا إلى يوغوسلافيا حيث سَمّيا إلّيريا على
اسمِ ابنِهما الأصغرِ إلّير.
وغلّلَ القدامسة في آسيا الصُّغرى، ووصَلوا إلى البَلطيك
عبرَ الدّانوب وأنهارِ روسيّا. وتوَقّفوا في أوروپّا
الدّخليّة (سِلْتِيا، وجرْمانيا... بعدَ أوروپّا
المتوَسِّطيّة... "مئةَ مدينةٍ وإحدى"، يقولُ ننّوس (13،
360-370)، بَناها قدموس على شرفِ هرمونيا، في ليبيا،
المُعطاةِ اسمَ جدّتِه أُمِّ أغنور (أپّولودور، 2، 1، 4)،
والّتي تسلَّمَ حُكمَها أخوه فنيكس.
|
 |
|
قدموس مخترع
الأبجديّة |
ومع الأبجديّة، علّمَ قدموس
والقَدامسةُ، الأغارقةَ، والعالمَ جميعَ مُعطياتِ بِلادِهم
الحضاريّةِ، الفكريّةِ والماديّة، كما ورَدَ عند معظمِ
الكتّابِ الأقدمين. كتبَ ننّوس (4، 260 م.ب.): ووجّه قدموس
أُسطولَه نحو إغريقيا (...). هناك عمّمَ على الأغارِقة
خيراتِ الاختراعاتِ الفينيقيّةِ الجَديدة، وأغنى اليونان
بأسرِه بأدواتِ اللُّغة (...) مُنسِّقًا "الفْوَيّيلاتْ"
و"الكونْسونّات" كما يجب، بحيثُ تُكوِّنُ كلٍماتٍ
مُتناغِمةً (...). ودرّبَهم على الطُّقوسِ الدّينيّةِ
والعِباداتِ (...)، وقياسَ القمر، ووُجوهَه المُتقلِّبة
(...)، وكيفَ أنّه يولَدُ فقط من شُعاعِ أُمِّه الشّمس،
ومن تلك النّارِ الّتي تُحَييه وقد اقترَضها منها"...
هذا المَقطعُ هو تَلميحٌ إلى مَجموعةِ القَضايا الحضاريّةِ
الجمّةِ الّتي حملَها القدامِسةُ إلى أوروپّا وباقي
العالم، وخُصوصًا إلى الأبجديّةِ القَدمو-جبيليّة الّتي
معها علّمَ قدموس "الكاهنُ-الملك": اللاّهوتَ،
والخُلقيّةَ، والسِّياسةَ، والآدابَ، شِعرًا، ونَثرًا،
وتاريخًا... والفنونَ الكُبرى: الموسيقى، والنّحتَ،
والرّسمَ، والعِمارة... كما الصُّغرى: صُنعَ الملابسِ،
والحِلِيٍّ، والأواني المنزِليّة... ونَشَرَ العُلوم: من
الرِّياضيّاتِ، وعِلمِ الفلَك، إلى الطّبِّ، وعُلومِ
الأرض، وباقي المَعارِف، وكيفيّةِ تَطبيقاتِها، في مَجالات
الزِّراعة، وتَربيةِ الحيوان، والصِّناعةِ، والمُواصلاتِ،
بما فيها صُنعُ السُّفَنِ، والعرَبات، وربّما الطّائراتِ
الهَوائيّة...
وقد وُجِدَت آثارٌ فنّيِّةٌ مَتشابِهة، أهمُّها آنيةٌ
خزَفيّة مَكسُوّةٌ بالرُّسوم، وتَماثيلُ صُنِعَت من رُخامِ
بّاروس، "حسبَ النّمطِ الفينيقيّ"، ومنها في بيروت، كما في
شتّى بُلدانِ المتوسِّطِ وفي العالمِ كلِّه، وقد درَسَها
كثيرون عن كثَب، منهم فرنسوا لنورْمان، في مؤلّفِه
القيِّمِ "أسطورةُ قدموس والمُنشآتُ الفينيقيّة في
إغريقيا"...
وأكملَ الفتوحاتِ والعمَليّاتِ التّمدينيّة، أنسالُ قدموس
وإخوتِه وأختِه أوروبّ ملِكة كْريتْ، ومن أبرزِ
القدامِسَةِ بناتُ قدموس: أتونوى، وإينو، وأغافي، وسيميلي،
وأبناه پّوليدور، وإلير... وأبناءُ أوروپّ الثّلاثة:
سَربّيدون، ورادمَنتي، وخُصوصًا مينوس، الّذي حكَمَ حوضَ
المتوسِّط، والحضارةُ المينَويّةُ مَنسوبةٌ إليه. أمّا
أعظمُ القدامِسة، فهو ديونيزوس-باخوس، بن سِيمِِيلي بنتِ
قدموس، الّذي توجّهَ نحو الشّرق، ووصَلَ بفُتوحاتِه حتّى
الهند (وبه اقتَدى الإسكندر). وعلى اسمِه مَعبدُ باخوس في
بعلبكّ... ومجّدَه المُحدَثون، ومنهم فرنسوا لنورمان،
وفرنسيس فيان، وخاصّةً أوليس كسَبْ رُويدا (الّذي قالَ لنا
إنّه سكبَ مخطوطَتنا عن قدموس في مؤلّفِه الرّائعِ "قدمو،
المعلّمُ الكونَوي").
بلى، قدموس العبقريّ الكونويّ، هو فِعلاً معلّمُ
اللّبنانيّين-الفينيقيّين والعالم، في أواسِطِ الألفِ
الثّاني قبلَ المسيح، وأحدُ رُوّادِ الحضارةِ وبنّائيها
العَمالقة، ومَنارةٌ مُجلّيةٌ لهَديِ النّاسِ نحو اللّه.
|
 |
ما بَقِيَ
من "باب إلِكْترا"، قربَ قصر قدموس "ألكَدْمِيا"
(حيث وُلِدَت أوّلُ أكاديميا)، في طيبا، عاصمتِه
(عن أوليس كسَب رويدا، "قدمو المعلّم الكونويّ":
مؤلَّفُه الّذي قالَ لنا إنّه أنزَلَ فيه
مَخطوطتَنا عن قدموس)
|
 |
|
حروفُ الأبجديّةِ المِسماريّة (أي
الشّبيهةِ بالمساميرِ لأنّها تغرَزُ في طينٍ
يُجفَّفُ بعدَ الكِتابة). بالمُقابل، الحروفُ
اللاّتينيّةُ والعربيّةُ المُناسبة (غ. سعاده،
"أوغاريت م ك"، ص 159) |
 |
|
لوحةٌ أبجديّةٌ تَعليميّة من
مَكتبة أوغاريت |
|