وأسفَرتِ النّهضةُ القَدموسيّةُ
عن تَفجُّرِ قضايا الفكرِ في لبنان-فينيقيا
والعالم، بشكلِ "كوسموغونيّاتٍ"، أي أسفارِ تكوينٍ
تاريخيّةٍ، أهمُّها تَحمل اسمَ سنخوني أتن (1، 9،
21)، الّذي يَذكرُ بعضُها ويذكرُ أنّ أبيبعل، ملك
بيروت، كان يَرأسُ اللّجانَ الفاحِصةَ الّتي
تَمنحُ ما يُشبهُ الدّكتورا. كذلك دُوِّنَ
تاريخُنا في ملاحمِ شِعريّةٍ نظَمَ أهمَّها نقماد
ملكُ أوغاريت، بعدَ أن أملاها عليه كاهنُ
المَدينةِ الأكبر أتُن بِّرْلُن.
وأوغاريت (المدينة الفينيقيّةُ الّتي قربَ
اللاّذقيّة في سوريا اليوم)، تَعودُ إلى القرنِ
الرّابعَ عشَرَ قبلَ المسيح، وتُمثِّلُ نَموذجًا
لمُدنِنا العائدةِ إلى الحِقبةِ القَدموسيّة،
عُثِرَ فيها على آثار، منها مَكتوباتٌ قلبَت
مَفاهيمَ التّاريخ.
وحدَسَ بالذّرّةِ الّتي تَتجزّأ، موخّوس
الصّيدونيّ المُتعدِّدُ المواهبِ والعطاءاتِ
(سترابون، 3، 16، 24)... واليومَ، عادَ العلمُ إلى
نظريّتِه بعدَ أن خرّبَها الأغارقة. |
|
 |
|
من رسائل
بالخطِّ المِسماريِّ الأبجديّ، بعثَ بها ملكُ
بيروت إلى ملكِ أوغاريت.(
وكتبتُ كِتابًا على إيبلا وأوغاريت ملأ جريدتنا
’لبنان‘، من عدد 162 إلى 233)
|
ونُقِلَت كتاباتُ تور-هرمس الجبيليّ من الهيروغليف إلى
الأبجديّة، على أيدي لاهوتيّين كبارٍ قد يكونُ أبرزُهم
قدموس، وربّما توروكوزارتيس... الّذي يُنوِّه بعمَلِه
سنخوني أتن (1، 10، 43)، إذ يقول: "كان أوّل من نظّم
العبادة الّتي استخرجها أجيال قال الإله صورموبيلس وثورو
الملقّب كوزارتيس الّذي مشى على خطاه بوضع العلم الإلهيّ
لتأوتس بكلّ ما له من بريق. وهو ما اختفى وفلَّه الغموض
بدُخول المعميّات".
"الكتابُ المقدّس" أو "التّوراة" أو "الببْل"
هو المؤلَّفُ الأكثرُ انتِشارًا وتأثيرًا في
العالم. |
|
 |
عندما وصلَ
النّبي موسى إلى جبلِ نابو، جنوب أرض الموعد
(اليوم في الأردن)، شعرَ بدنوِّ أجلِه، ورجا اللّه
أن يسمَحَ له بدُخولِ "الأرضِ المقدّسة" الّتي
تَفيضُ لبنًا وعسلاً... وقال: "يا سيّدي الرّبّ،
دَعني أعبُرُ وأرى الأرضَ الصّالحةَ الّتي عبْرَ
الأردنّ، وذلك الجبلَ السَّعيد، ولبنان" لكنّ
الرّبّ غضِبَ وقال: "كفاك، لا تعُدْ تُكلِّمُني
أيضًا في هذا الأمر" (تث 25:3-26) |
"سِفرُ التّكوين" التَّوراتيّ كما باقي
التّوراتات-الكوسموغونيّات، يَبدأُ بحدَثِ الخلْقِ العظيم،
خلْقِ الكون وما فيه، بتدَرُّجٍ يَمُرُّ عبرَ شتّى
المَخلوقات، ويصِلُ إلى الإنسانِ قِمّةِ الخَليقةِ الّذي
معه يَنبلِجُ العقلُ بانتِظارِ أن تُطِلَّ مع التّورخة،
الّتي تَشمَلُ العائلةَ الآدمو-نوحيّة، ويَتبعُها
التّاريخُ الّذي يُدشِّنُه تور. لكنّ "التّوراة"
المُتداولة، مذ أعلَنَها النّّبيّ موسى شِرعةً دينيّةً
لشَعبِه الّذي كان في المنفى في مصر، ومنه كان مُعظمُ
فُلولِ الهِيكْسوسْ — بمن فيهم العبرانيّون
والكنعانيّون-الفينيقيّون — ، واضِعًا نُصْبَ عَينَيه
هدَفَ إخراجِ شعبِه من مصر، الّتي كانت له أرضَ العبوديّة،
وإرجاعِه إلى أرضِ كنعان المعتَبرةِ أرضَ أجدادِه إبراهيم
وإسحق ويَعقوب (تك 12- خر 15:3)، وبالتّالي يوسف الّذي
سبقَ أن قلنا إنّه قد يكونُ أوّلَ حكّامِ الهيكْسوسْ في
مصر.
واعتُبِرَت تلك الأرض "أرضَ الميعاد"، بمَعنى أنّ اللّه
أعدَّها للمخلِّصِ الّذي وعدَ الإنسان به، منذ عهدِ آدم —
وربّما منذُ إطلالةِ الخليقةِ العاقِلة —، مَرًّا بـ نوح
وتور وإبراهيم، ونسلِه، وموسى، ومعظمِ الأنبياء.
ومن هو موسى؟
"أشهرُ مَن اشتَهَرَ في الكتبِ المقدّسةِ من صُلاّحِ
العهدِ القَديم. أنقذَته بنتُ فرعون من المياه، وتربّى في
قصر أبيها" . وبعدَ أن شبَّ وعرَفَ انّه عبرانيٌّ، من نسلِ
لاوي (خر 1:2 م.ب.)، سليلِ إبراهيم (خر 6:3)، وسام بن نوح
(تك 10:11 م.ب.)، راعَه اضطِهادُ المصريّين لشَعبِه، وقَضى
على أحدِ المُضطهِدين، وهرَبَ بعدئذٍ من أمامِ غضبِ فرعون.
ووصلَ إلى مَدْيان جنوبَ أرضِنا، أرضِ كنعان. وهناك تزوّجَ
من صفّورة بنتِ يثرون، كاهنِ مَدْيان الكنعانيّ، وولَدَت
له صَبِيَّين (خر 1:2-5)، جرشوم وإليعازر. وفيما كان يَرعى
غنمَ حميه فوقَ جبلِ حوريب المقدّس، في سينا، كلّمَه
الرّبّ من عُلِّيقةٍ مشتعِلَة، لكنّها لا تَحترقُ، وقال
له: "إخلَع حِذاءكَ من رِجلَيكَ، لأنّ المَوضِعَ الّذي
أنتَ واقِفٌ عليه أرضٌ مُقدّسة". وقالَ: "أنا إلهُ
آبائِكَ. إلهُ ابراهيم وإسحَق ويعقوب... فستَرَ موسى
وجهَهُ خوفًا من أن يَنظُرَ إلى اللّه.
وقالَ له الرّبُّ: "نَظرتُ إلى مُعاناةِ شعبي الّذينَ في
مصر، وسمِعتُ صُراخَهُم من ظُلمِ مُسخِّريهِم وعلِمتُ
بعَذابِهم. فنَزلتُ لأُنقِذَهم، وأُخرِجَهُم من أرض مصر
إلى أرضٍ رَحبةٍ تَدرُّ لبنًا وعسلاً، إلى موطنِ
الكنعانيّين...
وأكملَ الرّبّ: "تَعالَ أُرسِلُك إلى فِرعون لتُخرِجَ شعبي
بَني إسرائيلَ من مصر". فقالَ موسى لـِ اللّه: "مَن أنا
حتّى أذهبَ إلى فِرعونَ وأُخرِجَ بَني إسرائيلَ من مصر؟"
قالَ: "أنا أكونُ معكَ، وهذه علامةٌ لكَ على أنّي أنا
أرسَلتُكَ إذا أخرَجتَ الشّعبَ من مِصر"... (خر 10:3-12).
فقالَ موسى للرّبّ: "إذا ذهبتُ إلى بَني إسرائيل وقلتُ
لهم: ’إلهُ آبائِكُم أرسَلَني إليكُم، وإنْ سألوني ما
اسمُهُ؟ فماذا أُجيبُهُم؟‘ فقالَ اللّه لـ موسى: ’أنا هو
الّذي هو‘ . هكذا تُجيبُ بَني إسرائيلَ: هو الّذي هو
أرسلَني إليكم‘".
وقالَ اللّهُ لموسى ثانيةً: "قُلْ لبَني إسرائيل: ’أنا
الرّبّ إلهُ آبائِكم، هذا اسمي إلى الأبد، وهذا ذِكْرِي
مدى الأجيال‘" (خر 13:3-15)
|
 |
|
فوقَ جبلِ
حوريب في سيناء، ظهرَ اللّه لـ موسى وسلّمَه
الوصايا |
وعادَ موسى إلى مصر حيث أعانَه الرّبُّ
على صُنعِ العجائبِ — وهي ما يُسمّى الضّرَباتِ العشر (خر
7-12) —، الّتي حَلّت بالمصرِيّين فأرعبَتهم وأرعبَت
فرعون، فسمحَ لـِ موسى بإخراجِ شعبِ إسرائيل من بلادِه (خر
4-12). فسلَكوا طريقَ البحرِ الأحمر الّذي جفَّ بأُعجوبة
(خر 13:4)، لكنّ المصريّين لحِقوا بمَن كانوا يشغّلونَهم
بالسُّخرة. فأغرَقتهم مياهُ البحرِ الّتي عادَت إلى
مُستواها الأوّل... ووصلَ بنو إسرائيل إلى برّيّةِ سينا،
وتوجَّهوا وهم يُنشدون للرّب تَرانيمَ الشّكر. وأطعَمَهم
الرّبّ منًّا وسَلْوى، وروَتهم المياهُ الّتي فجّرتها عصا
موسى من الصّخر في جبلِ حوريب (خر 16-17).
وهكذا أنقذَ موسى شعبَه، من مَظالمِ فرعون. فخلَّصَهم،
وجازَ معهم بَرّيّةَ سينا مدّةَ أربعين سنةً أعطاهم في
خلالِها لوحَي الوَصايا العشَر الّتي تَلقّاها من الرّبّ
في جبلِ حوريب وعلّمَهم الشّرائع. تلك الوصايا الّتي غدَت
وصايا الكنيسةِ العشر ها هي:
"أنا هو الرّبّ إلهُك... لا يكن لكَ إلهٌ غَيري.
|
لا تحلِفْ باسمِ الرّبّ
بالباطِل.
قدِّسْ يومَ الرّبّ.
أكرِمْ أباكَ وأُمَّك...
لا تقتُلْ.
لا تَزنِ.
لا تسرُقْ.
لا تَشهَدْ بالزّور.
لا تشتَهِ امرأةَ قريبِك
لا تَشتَهِ مُقتَنى غيرِك".
(تث 5:6؛ لا 28:29) |
 |
موسى يَهُمُّ بكَسْرِ لَوحَي الوصايا
العَشْرِ اللّذَين تَسلّمَهما من فوق، على جبلِ حوريب. –
زيتيّة لـِ رامبرانْت.
لكنّ الشّعبَ الّذي خلّصَه موسى من العُبوديّةِ تَذَمَّرَ
وحنّ إلى أرضِ مصر؛ وطلَبوا من هارون، أخي موسى، أن
يَصنَعَ لهم عِجلاً ذهبيًّا، فجمعَ هارون حلِيًّا من
نِسائِهم وسكبَ لهم عجْلاً ذهبيًّا. فنفَدَ صبرُ موسى إلى
حدِّ أنّه كسَر لوحَيِ الوصايا (خر 1:32 م.ب.).
هذه الوصايا علّمَ المسيح تلاميذَه مثلَها لكن بعد أن
صفّاها وملأها من روحِه، حتّى الوصيّةُ العُظمى الّتي قالَ
فيها: "أحِبَّ الرّبَّ إلهَكَ بكُلِّ قَلبِك، وبكُلِّ
نفسِكَ، وبكُلِّ عَقلِكَ. هذه هي الوصيّةُ الأُولى
والعُظمى. والوصِيّةُ الثّانيّةُ مثلُها: أحِبَّ قَريبَكَ
مثلَما تُحبُّ نفسَكَ. على هاتَينِ الوصِيّتَين تَقومُ
الشّريعةُ كُلُّها وتَعاليمُ الأنبياء" ، وبتنا نعلَمُ أنّ
الوصايا كما الشّرائع، نابعةٌ من "الپّانتاتوك" المَنسوبِ
إلى موسى، والآتي على الأقلِّ جُزئيًّا من تَعاليمِ تور
الجبيليّ.
أمّا الرّبّ فطلَبَ إلى موسى أن ينحَتَ لَوحَي وصايا غيرَ
اللّذين كسرَهما. ففعلَ واستغفَرَ الرّبّ فغَفرَ له (خر
1:34 م.ب.).
يَثرون يعلّمُ موسى أُسسَ مؤسّسةِ القضاء
الكنعانيّةِ-الفينيقيّة.
ووصَلَ موسى من جديدٍ إلى مَدْيان. وهناك التَقى حماه
يثرون وزوجتَه صفّورة وولدَيه جرشوم وإليعازر، بعدَ طولِ
فِراقٍ، وقدّمَ حموه للرّبّ ذَبائحَ شكر (خر 1:18-12).
ونصَحَ يَثرون موسى بتَعيينِ قُضاةٍ وقال: إختر رِجالاً
أكفّاء يَخافونَ اللّه وأُمناءَ يكرَهون الرَّشوة،
وَولِّهم على الشّعبِ رؤساءَ ألوفٍ ومئاتٍ وخَماسينَ
وعشَراتٍ، يَقضونَ للشّعبِ في كُلِّ وقتٍ ويَرفعونَ إليكَ،
كُلَّ أمرٍ خطيرٍ ويَحكمونَ هُم في كُلِّ أمرٍ صَغيرٍ،
فيَحمِلونَ الحِمْلَ معكَ ويُخفَفِّفونَ عنكَ. فإنْ أنتَ
عمِلتَ هكذا وأمرَكَ اللّهُ به. أمكنَكَ الاحتِمالُ،
وجميعُ هذا الشّعبِ ينصَرِفونَ إلى بُيوتِهم بسلام (خر
21:18 م.ب.). فسمِعَ موسى من حميه يَثرون وعيّنَ قُضاةً
يَتحلّونَ بأجملِ الصِّفات (خر 13:18-24م.ب.).
هذه الوصايا علّمَ المسيح تلاميذَه مثلَها لكن بعد أن
صفّاها وملأها من روحِه، حتّى الوصيّةُ العُظمى الّتي قالَ
فيها: "أحِبَّ الرّبَّ إلهَكَ بكُلِّ قَلبِك، وبكُلِّ
نفسِكَ، وبكُلِّ عَقلِكَ. هذه هي الوصيّةُ الأُولى
والعُظمى. والوصِيّةُ الثّانيّةُ مثلُها: أحِبَّ قَريبَكَ
مثلَما تُحبُّ نفسَكَ. على هاتَينِ الوصِيّتَين تَقومُ
الشّريعةُ كُلُّها وتَعاليمُ الأنبياء"، وبتنا نعلَمُ أنّ
الوصايا كما الشّرائع، نابعةٌ من "الپّانتاتوك" المَنسوبِ
إلى موسى، والآتي على الأقلِّ جُزئيًّا من تَعاليمِ تور
الجبيليّ.
أمّا الرّبّ فطلَبَ إلى موسى أن ينحَتَ لَوحَي وصايا غيرَ
اللّذين كسرَهما. ففعلَ واستغفَرَ الرّبّ فغَفرَ له (خر
1:34 م.ب.).
يَثرون يعلّمُ موسى أُسسَ مؤسّسةِ القضاء
الكنعانيّةِ-الفينيقيّة. ووصَلَ موسى من جديدٍ إلى
مَدْيان. وهناك التَقى موسى حماه يثرون وزوجتَه وولدَيه
جرشوم وإليعازر، بعدَ طولِ فِراقٍ، وقدّمَ حموه للرّبّ
ذَبائحَ شكر (خر 1:18-12). ونصَحَ يَثرون موسى بتَعيينِ
قُضاةٍ وقال: إختر رِجالاً أكفّاء يَخافونَ اللّه وأُمناءَ
يكرَهون الرَّشوة، وَولِّهم على الشّعبِ رؤساءَ ألوفٍ
ومئاتٍ وخَماسينَ وعشَراتٍ، يَقضونَ للشّعبِ في كُلِّ وقتٍ
ويَرفعونَ إليكَ، كُلَّ أمرٍ خطيرٍ ويَحكمونَ هُم في كُلِّ
أمرٍ صَغيرٍ، فيَحمِلونَ الحِمْلَ معكَ ويُخفَفِّفونَ
عنكَ. فإنْ أنتَ عمِلتَ هكذا وأمرَكَ اللّهُ به. أمكنَكَ
الاحتِمالُ، وجميعُ هذا الشّعبِ ينصَرِفونَ إلى بُيوتِهم
بسلام (خر 21:18 م.ب.). فسمِعَ موسى من حميه يَثرون وعيّنَ
قُضاةً يَتحلّونَ بأجملِ الصِّفات (خر 13:18-24م.ب.).
وهنا يُطرَحُ سؤالٌ مَصيريّ، ما كان تأثيرُ رِسالةِ موسى
على شُعوبِ الشّرقِ الأدنى وخُصوصًا في كِتاباتِ مفكّري
أرض إيل؟
مذ أُعلِنَت توراةُ موسى وعرَفَ الكنعانيّون-الفينيقيّون
أنّ مَشروعَ ذلك النّبيّ يَقضي بالاستيلاءِ على أرضِهم
باسمِ إلهِهِ: يَهْوه، وطردِهم منها (خروج 8:3 و17؛ 5:4؛
2:6 و8...)، ثاروا، وهذا طبيعيٌّ على ذلك المَشروع،
وفهِموا أنّهم إن لم يتَصدَّوا له، فسيُشرِّدُهم
النّازِحون. وطبعًا لم يكونوا يَعلَمون بوُضوحٍ أنّ
الآتينَ من مِصر، هم سَليلو إبراهيم ويوسف (خر 15:13)،
وبالتّالي هم قسمٌ من جالياتِ الهيكسوس العبرانيّة،
والصّوريّة-الصّيدونيّة... وأنّهمَ مزيجٌ من الكنعانيّين
والعبرانيّين. وبعدَ أن دُحِرَ الهيكسوس، بقِيَ قسمٌ من
جالياتِهم في مصر وهو الّذي استُعبِد فيما بعد، وأخرجَهم
موسى من أرض عبودِيّتهم (خر 12 م.ب.)، وتوجّهَ بهم إلى
أرضِ كنعان.
بلى، كان العبرانيّون يَعرِفون أنّهم سيُبعَدونَ عن
أرضِهم.
أما قالَ الرّبّ لإبراهيم: "أنا الرّبّ الّذي أخرجَكَ من
أور الكلدانيّين لأعطيكَ هذه الأرضَ ميراثًا لك" (تك
7:15)؟ هذه الأرضُ هي القسمُ الجنوبيُّ من أرضِ
كنعان-فينيقيا، يومَها قال له أيضًا: "إعلَمْ جيّدًّا أنّ
نسلَكَ سيَكونونَ غُرباءَ في أرضٍ غيرِ أرضِهِم،
فيستَعبدُهُم أهلُها ويُعذِّبونَهم أربعَ مئةِ سنةٍ.
ولكنّي سأدينُ الأُمّةَ الّتي تَستعبدُهُم، فيَخرَجونَ
بعدَ ذلك بثَروةٍ وفيرة" ( تكوين 13:15-14).
معرفتُهم بهذه النُّصوصِ التّوراتيّةِ جعلََ الخارِجين من
مصر، يُصدّقون موسى. بالمُقابل، ما أن عرَفَ المفكِّرون
الكنعانيّون-الفينيقيّون بنُصوصِ موسى، حتّى انبَرَوا
يتصدَّون لها. فيما راحَ المسؤولون والشّعبُ يتحضّرونَ
للدِّفاعِ عن بلادِهم. آنذاك كانت نُصوصُ موسى قد أثارَت
ضجّةً في أوساطِ مفكّري "أرض إيل" والجِوار،
(كنعان-فينيقيا)، وهَبَّ الطّليعيّون يثبّتون عبرَ
مكتوباتِ الفينيقيّين القديمةِ الموضوعةِ في المَعابد،
والكتُبِ الأُولى المقدّسة ("ك هـ"، "ستو"، 23، 8)، وفي
مقدّمتِها مكتوباتُ تور (س أ، 1، 10، 6)، لا سيّما
"الكورپّوس هرمتيكوم". ما علّمَه موسى يُمثِّلُ
المَعلوماتِ الّتي أخذَها عن سنخوني أتن وباقي مؤلِّفينا
القُدامى، لا سيّما مُعاصريّ موسى.
ويَبدو أنّ فيلون الجبيليّ (42 م) ترجمَ مؤلّفاتِ سنخوني
أتن، من الفينيقيّةِ إلى اليونانيّةِ في 9 كتُبٍ.
"وهكذا جعلَه معروفًا" (سنخوني أتن، 1، 9، 2-23). خارجَ
فينيقيا. وشرَحَ أيضًا في 3 كتبٍ سمّاها "التّاريخ
التّناقُضيّ"، وظهّرَ فيها ما استعارَه الأغارِقةُ من
فينيقيا وشوَّهوه، بحيثُ جاءَ تاريخُهم مَليئًا
بالتّناقُضاتِ (سنخوني أتن، 1، 9، 28).
وقبلَ أن يُترجمَ فيلون كتُبَ سنخوني أتن، تَرجمَ كثيرون
"التّاريخَ الفينيقيّ" إلى اليونانيّة. ومَعروفٌ أنّ فيلون
الّذي عاشَ فجرَ المسيحيّة، قصدَ، استِنادًا إلى سنخوني
أتن، تَوضيحَ ما أعطاه التّراثُ اللّبنانيّ-الفينيقيّ
للعالمِ وللمسيحيّة، مُنتقدًا الأغارِقةَ، دونَ أن يذمَّ
المسيحيّين، ولا يَبدو أنّه انتقدَهم المسيح صَراحة . لكنّ
خلفاءَه، وأبرَزُهم پّورفير الصّوريّ، فَعلوا شيئًا من
ذلك: پّورفير كتبَ "ضدَّ المسيحيّين" مؤلّفًا يقَعُ في 14
كتابًا (س أ، 1، 9، 20)، ليُبرهنَ أنّ المسيحيّين
استَخدموا هم أيضًا تُراثَ لبنان-فينيقيا، لكنّهم لم
يقرُّوا بذلك. وكان پّوفير مُعاصِرًا لـ أوزيب القيصريّ (ق
4م)، أوّلِ مؤرّخي الكنيسة، الّذي دحَضَ أقوالَه مسَمِّيًا
إياها افتِراءات (س أ، 1، 9، 20). وإذّاك، حصَلَت بين
المؤرِّخَين مُشادّةٌ كتبنا عنها مفصّلا. وكان حَذا حذوَ
پّورفير مؤلِّفون كثُرٌ، سابقون له، واقتدى به آخرون
لاحِقون، وُصولاً إلى المُعاصرين، من منهم روبير شارّو
ورُفقاؤُه ، ليقولوا الّذي شدّدَ عليه مُناهِضو موسى: إنّ
موسى أخذَ نُصوصَه عن كوسموغونيّةِ سنخوني أتن وباقي
الكوسموغونيّاتِ الفينيقيّة.
وكِدنا (زوجي وأنا)، نَنضمُّ إلى قافِلةِ مُعارِضي
"التّوراة" المَعروفةِ بالموسويّة، لو لم نتَداركِ الأمرَ
ونسحَبَ كتابَ أحدِنا (ألفرد)، من التّداوُل، وذلك عندما
وعَينا انّ الأُمورَ ليسَت بهذه البَساطة... ورُحنا نبحثُ
عن الحقائق.
بلى، منذ عام 1973، شرَعنا نتنبَّهُ إلى أنّ التّنافُسَ
بين مُفكّرينا وتآليفِهم من جهة وكِتاباتِ "التّوراة"،
المُتداولةِ، تحوّلَ إلى تَنازُعِ بقاءٍ، وأدّى إلى
تَعكيرِ المنابعِ الحقّ؛ وما كان ليُمسِيَ صِراعًا لولا
ثلاثة: جهلُ الحقائقِ الأُولى؛ الكسلُ في البحثِ عن اللّه؛
وتفضيلُ مجدِ الأنا على مجدِ الرّبّ. وكيفَ وهلْ تمَّ لنا
التّوصُّلُ إلى كشفِ القِناعِ عمّن هو النُّور؟ وجدَنا
أوّلاً ما سيُصبحُ في أيدينا، مِفتاحًا لقصرِ اللّه. لقد
فهمنا أنّ الكنعانيّين-الفينيقيّين سليلي حام (تك 15:10) —
وفي مقدِّمِهم تور-هرمس الجبيليّ، سَليلُ سام وحام —،
ومثلَهم العبرانيّون — من سيُسمَّون أيضًا اليهود —،
سَليلو عابر، وإبراهيم (خر 6:3)، وسام (تك 10:11-31)، هم
جميعًا ورثَةُ العقائدِ الآدمو-نوحيّة، إذن لهم جميعًا
الحقُّ باعتِبارِها تُراثَهم الأصيل... ولو تنبّه
كتّابُنا، بخاصّةٍ پّورفير وهو الأعلَمُ بينَهم، إلى أنّ
المسيح يُشدِّدُ على كونِه "لم يأتِ ليَنقُضَ بل ليُتمِّم"
(مت 17:5) — وهذا ما فعلَه بإضاءتِه "العهد القديم"،
واختِيارِ كلِّ ما هو صالحٌ فيه، ورذْلِ الطّالح (مت
18:5م.ب.)، إذن ابن اللّه تجسّدَ ليُعلّمَنا أن نَعيشَه
ونتألهنَ —، لربّما كانت كلمتُهم أفحَمَت مَن يُنادونَ
بقطعِ "العهدِ القديم" عن "العهدِ الجديد"، سيّما أنّ
المسيح استَشهدَ بـ "العهدِ القديمِ" في كلِّ صفَحاتِه
الإنجيليّة تقريبًا، على أن يقرأوا قديمَهم على ضوءِ
جديدِهم أي المسيح. ولربّما كانتِ العَقائدُ
اللّبنانيّةُ-الفينيقيّةُ لا تَزالُ هي هي الدِّلتا الّذي
نقولُ بخُصوصه دومًا في كلامِنا على تور الجبيليّ: إنّ
"التّوراة" المُتداوَلةَ غدَت السّاعدَ الأهمَّ للنّهارِ
الواصلِ ما بين المَنابعِ التّوريّةِ وبحرِ المسيحيّة،
بعدَ أن صبَّ فيه الرّافدُ الموسويّ. وهذه الفَرضِيّةُ
الّتي نتقدّمُ بها بكُلِّ بساطةٍ إلى من يَملِكون حقَّ
الرّبطِ والحلِّ، تُفسِّرُ وُجودَ نُصوصٍ وقصَصٍ
تَوراتيّةٍ سابِقةٍ لـ موسى في التّراثِ التّاريخيِّ
والأركيولوجيّ، الّذي وصلَنا خُصوصًا في"الكورپّوس
هِرمتيكوم"، وفي مقاطعِ سنخوني أتن... عبرَ مكتوباتِنا
الأثريّة، وأهمُّها الّتي عُثِرَ عليها في مدُنِنا، أُمّات
المدنيّةِ وفي أخواتٍ لها. وهذه "المُستقرَضات"، أقرَّت
بها الكنيسةُ، وشُرّاحُ "الكتاب المقدّس".
أجل، المناهِضون لِـ موسى، يُمثِّلونَ تيّارًا فِكريًّا له
مُناصِروه في محافِلَ لها شأنُها، ورغمَ أنّ علماءَ كبارًا
من فينيقيا ثمّ من العالم، اتّهموا ليسَ فقط موسى
والعبرانيّين، بل أيضًا المسيحيّين بأنّهم انتَحلوا تُراثَ
اللّبنانيّين-الفينيقيّين، أمّا نحن فبعدَ دِراساتٍ عميقةٍ
لهذا الموضوع، تأكّدَ لنا أنّ الاتّهامَ ليسَ في محلِّه،
ليسَ فقط لأنّ موسى هو عَظيمُ أنبياءِ العبرانيّين، ومن
عظماءِ أنبياءِ المسيحيّين، ثمّ المُسلِمين، لكن بخاصّةٍ
لأنّ المسيح ذكرَه مِرارًا دونَ أن ينتَقِدَه، واعتبرَ أنّ
موسى كتبَ عنه (يو 45:5-47)، وسمحَ أن يتمجَّدَ معه يومَ
التّجلّي (مت 1:17 م.ب.).
وعلمًا أنّ زمنَ موسى يُطابِقُ زمن سنخوني أتن و ما جاءَ
في نُصوصِه (سنخوني أتن، 1، 9، 21)، وأنّ مؤرّخَنا "يَقصُّ
مع الحِرصِ الكبيرِ على الحقيقةِ، كلّ ما له عَلاقةٌ
باليَهود، لأنّه لم يُغيِّرِ الأمكِنةَ والأسماء". لذا
نُرجِّحُ أنّ مؤرِّخَنا البيروتيّ، إن لم يكن قد عاشَ
قُبيلَ موسى وخليفتِه يشوع بن نون، فقد يكونُ عاصَرَهما،
واطّلَعَ على "توراة" موسى، وقرّرَ أن يَكتُبَ
كوسموغونيّتَه ليُؤكِّدَ فيها أنّ ما وردَ عند موسى وردَ
من ذي قبل عند الكنعانيّين-الفينيقيّين.
لا، نحن لسنا من رأيِ العُلماءِ القائلين إنّ موسى نقلَ
توراتَه عن سنخوني أتن، كما وردَ عند روبير شارّو
وأمثالِه. فما هو مصدرُها إذن؟
نحنُ شِبهُ متأكّدين أنّ موسى استندَ بالأحرى إلى توراةِ
تور؛ وتركَ لِتوراتِه الّتي أعطاها تور أسماء: "الكتابات
المقدّسة"، "التّورا" و"البِبْل". ونَفَينا ما قيلَ عن أنّ
موسى "سرقَ" عن سنخوني أتن، مذ تأكّدَ لنا أنّ التّراثَ
العبرانيّ نابعٌ كتُراثِنا من الوحيِ الآدمو-نوحيّ، وأنّ
استيلاءَ العبرانيّين — الّذين غدَوا اليهود — على جنوبِ
كنعان، كأرضٍ وُعِدوا بها، منذ أيّامِ إبراهيم وإسحَق
ويعقوب، ثمّ أيّامَ سَليلِهم موسى (خر 10:11-32؛ 6:3)،
ليسَ غزوًا بقدْرِ ما هو عَودةٌ إلى الجُذور. مُجرّدُ
قِراءةِ كوسموغونيّةِ تور، ومقابلةِ الكتاب الأوّل من
"الكورپّوس هرمتيكوم"، بنصِّ الخَلقِ الّذي يُقرأ في
الفصلِ الأوّل من "سِفرِ التّكوين" الموسويّ، والاثنان عن
خلقِ العالم والإنسان، حتّى يَبدو الشَّبَه واضِحًا.
اتّخذَتِ "التّوراة"-العهدُ القديم، أهمّيّةً قُصوى،
ككِتابٍ دينيٍّ لليهود خاصّةً، ثمّ لليَهود، والمسيحيّين،
فيما بعد، تَوائمَ مع عهدِها القَديم كثيرٌ ممّا وردَ في
القرآنِ الكريم.
بعدَ أن قُرِنَت به كتبٌ غيرُ الكتُبِ الخمسةِ الأُولى،
الّتي تُسمّى "التّورا" أو "الپّانتاتوكّ" . أمامَ هذا
اللّغزِ، وقفَ الشُّرّاحُ والمحَلِّلون أجيالاً تِلوَ
أجيال في حِيرةٍ محرِجة. ووصَلَ شرّاحُ "توراة أورشليم"
إلى استِنتاجٍ مَفادُه أنّ في "التّوراة"، على الأقلِّ
أربعَ وثائِقَ أسفَرَت عن أربعَةِ تيّارات:
الوثيقةُ الأُولى هي وثيقةُ التّيّار الإيلوهي،
المُتأثِّرُ بتَوراةِ تور، وأهمُّ مَصادِره "الپّانتاتوك"،
(الـ 5 الكتُبِِ التّوراتيّة الأُولى). فيه يتغلّبُ إسما
إيل أو إيلوهيم ، على اسمِ يهوه.
الوثيقةُ الثّانيةُ هي وثيقةُ التيّار اليهويّ. وهي الّتي
يَكثرُ فيها اسمُ "يهوه" ، لا اسمُ "إيل"، و"إيلوهيم"،
ويَعودُ إلى أيّامِ موسى حيث يقول له الرّبّ (خر 3، 6، 14،
15): "أنا إله آبائكَ، إله إبراهيم واسحق ويَعقوب، لكنّهم
عرَفوني باسمِ إيل لا باسمِ يهوه — مع أنّهم عرَفوه أيضًا
باسمِ يهوه (تك 22:18) —، وذلك منذ أيّامِ إنوش بن شيت (تك
26:5). الشّرّاحُ الضّليعون في القَضايا التّوراتيّةِ،
يعتبِرون أن اسمَ يهوه يدلُّ على ابنِ اللّه: هذا ما
يُستشَفُّ من تَسميّةِ الملاكِ له "يسوع" (مت 21:1) الّذي
مَعناه "يهوه يخلّص" . أمّا اسمُ إيل فيدلُّ على اللّه
الآب، وإيلوهيم على اللّه الثّالوث. يَبقى الرّوح. الرّوحُ
مَذكورٌ في أوّلِ آيةٍ من "سِفرِ التّكوين"، حيث قيلَ إنّه
يرِفُ فوقَ المياه والخليقة (تك 1:1)، ويُذكَرُ في مواضعَ
كثيرةٍ من "الكتاب المقدّس".
الوثيقةُ الثّالثةُ تُثبِّتُ تيارَ التّشريعَ. ويَرى
الشّرّاح أنّ "تَثنية التّشريع"، زيدَت أيّامَ الملكِ
يوشيّا (2مل 22)، بعدَ أن عَثَرَ عليها في هيكلِ أورشليم.
الوثيقةُ الرّابعة هي الكهنوتيّة الّتي تشمُلُ بخاصّةٍ
الشّرائع، مع سَردِ بعضِ الأحداثِ، منها نَفْيُ اليَهودِ
إلى بابل. وضُمَّت إلى المَجموعةِ السّابقةِ واحتَوَتها
كإطارٍ.
في "توراة أورشليم"، يَبدأ الشُّرّاحُ بالتّيّارِ اليهويّ
لأنّه، على ما يَبدو، دُوِّنَ في القرنِ التّاسعِ ق.م.،
بينما الإيلوهي دُوِّنَ بعدَه بقَليل، في إسرائيل. إثرَ
دمارِ المملَكةِ الشّماليّة: إسرائيل، دُمِجَت الوثيقتان
الأُولى والثّانيّة، وشكّلَت هذه المَجموعةُ المَدموجةُ،
الوثيقةَ الثّالثة، مع العلمِ أنّ إبراهيم، السّابقَ لـ
موسى ببضعةِ قرون، هو الّذي نادى اللّه باسمِ إيل وباسمِ
يهوه معًا (خر 2:6-3)؛ لكن مع الوقتِ تبيّنَ للشُّرّاحِ
أنّ هناك مزيجٌ من هذه التّيّارات، وأنّه ليسَ من السّهلِ
فرزُها والتّكلُّمُ عنها، كلٍّ على حِدة، إلى أن وصلوا إلى
القَولِ إنّ في التّوراةِ تيّاراتٍ لا علاقةَ لها بـ موسى
بل بمن سبَقوه بكثير. وأنّ بعضَها من وسَطٍ غيرِ الوسَطِ
العبرانيّ-اليهوديِّ. استِنتاجًا: أصدَرَتِ "اللّجنةُ
التّوراتيّةُ البابَويّةُ" (في 27 حزيران 1906)، قَرارًا
بهذا المَعنى، جاءَ فيه ما يلي: "إنّ ’اللّجنةُ
التّوراتيّةُ البابويّة‘، نبّهَت الشّرّاحَ الكاثوليك
حيالَ ’النّظريّةِ الوثائقيّة‘، وطلَبَت منهم الإبقاءَ على
مِصداقيّةِ التّوراة المُوسويّةِ الجَوهريّةِ لـ
’الپّانتاتوك‘، ككُلٍّ، واعترفَت في آنٍ، من جِهَةٍ
بإمكانيّةِ احتِوائِها تقاليدَ شفَهيّةٍ ووثائقَ خطِّيّةٍ
سابِقةٍ لـ موسى، ومن جهةٍ أُخرى، بِحصولِ تَحويراتٍ
وزِياداتٍ لاحِقة، تُوحي بوُجودِ بيئةٍ غيرِ البيئةِ
الموسويّة، واقدمَ منها". وفي رِسالةٍ إلى الكاردينال
سوشار (في 16/1/1948)، أقرَّتِ "اللّجنةُ التّوراتيّةُ"
نهائيًّا بوُجودِ منابعَ أُخرى نَهَلَ منها موسى،
وبتَزايُدٍ تَدريجيٍّ للشّرائعِ المُوسوِيّةِ، وللقِصصِ
التّاريخيّةِ، الّتي سَببُها الظُّروفُ المُجتمعيّةُ
والدِّينيّةُ في الأزمِنةِ اللاّحِقة. رغمَ ذلك طلَبت من
الشّرّاحِ المُحافظةَ على الأصالةِ الجَوهريّةِ
"للپّنتاتوك الموسويّ".
من الشّجرةِ التّوراتيّةِ اختارَ المسيح الثّمارَ
الصّالحةَ ورذلَ الباقي.
شرّاحُ التّوراةِ مَرُّوا إذن، إبّانَ تَحرّياتِهم، بكُلِّ
ما يُفرِحُ ويُؤلِم. دِراستُهم للكتبِ القانونيّةِ، وفي
مقدِّمِها الأناجيل بَرهنت بشكلٍ قاطعٍ أنّ العهدَ القديمَ
هو للعهدِ الجديدِ بمَثابةِ جُذورِ الشّجرةِ لجِذعِها
وفُروعِها؛ ولو حملَتِ الشّجرةُ مع الثِّمارِ الصّالحةِ،
ثِمارًا فاسدةً فهل يَعني ذلك أنّ علينا اقتِلاعَ الشّجرةِ
من جُذورِها، ورميَها في النّار؟ كلاّ ثمّ كلاّ. فـ
"التّوراة" كتابٌ مَرّت عليه أيدي مئاتِ الكتبةِ، وربّما
الآلافِ؛ وعلمًا، أنّ البشرَغيرُ كامِلين، فهل يُعقلُ ألاّ
يَكونَ ناقِلو نُصوصِها عبرَ التّاريخ، قد حَوّروا فيها
زِيادةً وحذفًا وتَنقيحًا؟ هذا أمرٌ أكيدٌ، وأمرٌ يُفهمُنا
لِمَ لم يَعتمدها المسيح بالكامل، بل اختارَ ما يستحقّ أن
يتمّمَه، وبقولِه: لقد قيلَ لكم أمّا أنا فأقولُ... (مت
17:5 م.ب.)، أفهمَنا أنّه أخذَ من التّوراةِ المتوارَثةِ
ما اعتبرَه صالِحًا، ورفضَ ما لا يتلاءمُ وتَعاليمِه.
ولِمَ لم يُعطِ اللّه تَعاليمَه دُفعةً واحدةً، بوساطةِ
المسيح؟ لو فعلَ ذلك لما كان الإنسانُ استَوعبَها. لذا
اختارَ اللّه الطّريقةَ التّربويّةِ القاضيّة بإعطائه
ماهيّتِه خُطوةً خطوة. ما دامَ أنّ المسيح يؤكِّدُ أنّه
أتى ليُتمِّمَ لا ليَنقضَ (مت 17:5)، وهذا ما فعلَه، وبما
أنّه كثيرًا ما استَشهَدَ بـ "العهدِ القديم. وهذا ما
جعلَنا نعتمِدُ قاعدةَ قراءةِ "العهد القديم" على ضَوءِ
"العهدِ الجديد"، لا رَميَ "العهدِ القديم" والاحتِفاظِ بـ
"العهد الجديد" وحدَه.
وهنا نردِّدُ ما ردَّدناه دومًا، وحوَته أبحاثُنا
الدّقيقة: إنّ التّيّارَ الموسويَّ هو للمسيحيّةِ بمثابةِ
الرّافدِ الأقوى للنّهرِ الّذي يَصِلُ المسيحيّةَ
بالمَنابعِ التّوريّة. وبفضلِه يَغمُرُ المسيح — مَن وحدَه
"ألفًا البشريّةِ وتارها"، بل الخليقةِ كلِّها (رؤ 8:1) —
الإنسانَ والكونَ، من البِداياتِ إلى نِهاياتِ الأزمِنةِ.
من ناحيةٍ أُخرى، المُشكِلةُ الأدبيّةُ لتاريخِ تَدوين
النّصوصِ في صورَتِها النِّهائيّةِ، غدَت أقلَّ أهمِّيّةً
من المسألةِ التّاريخيّةِ الّتي تهتَمُّ بمنابعِ الوثائقِ
الخطِّيّةِ أو الشّفَهيّةِ؛ لذا غدا التّصوُّرُ أقلَّ
حَرفيّةً، وأقربَ من الواقعِ وحياةِ الرّوح. فيما غدَتِ
المنابعُ بعيدةً جدًّا: فتقدُُّمُ العُلومِ الأركولوجيّةِ
والتّاريخيّةِ دلّتِ على أنّ الكثيرَ من شَرائعِ
الـ"پّانتاتوك"، كانت تُقابِلُها نُصوصٌ مُشابِهةٌ خارِجةٌ
عن "التّوراةِ" وأقدمُ بكثيرٍ من الّتي كانت تُعطى لمُعظمِ
"الوثائقِ"، وأنّ عددًا من قِصصِ الـ "پّانتاتوك"،
تفتَرِضُ وسَطًا آخرَ — وأقدمَ — من الوسَطِ الّذي فيه
دُوِّنت تلك الوثائق" .
إذن موسى اعتمَدَ على وثائقَ شفَهيّةٍ وخَطِّيّةٍ، تَعودُ
إلى بيئاتٍ غيرِ البيئةِ الموسَويّة، الّتي كانت وحدَها
مُعتمدَةً قبلَ الاكتِشافاتِ الكُبرى الّتي بَرهنَت أنّ
الوسَطَ الّذي لمَحّت إليه "اللّجنةُ البابويّةُ" هو
الوسَطُ الكنعانيُّ-الفينيقيُّ، وأنّ مَنابعَ الوثائقِ،
كان قد جَرفَ أكثرَها النِّسيان، وظلّت أجيالاً تِلْو
أجيالٍ ضائعةً، ثمّ عادَت تبرُزُ إلى العِيانِ جمّةً،
وبشكلٍ لا يَقبلُ الشّكَّ، مذ عُثِرَ في بِلادِنا وفي
امتِداداتِها الطّبيعيّة والحضاريّة، على مَراكزِ
التّنقيباتِ الكُبرى الّتي أدلَت بالبَراهينِ بكثرة، ولا
تَزالُ تُعطي بسَخاءٍ حتّى اليوم. وأهمُّها إيبلا — وهي
الّتي سبقَ أن قُلنا إنّ مكتوباتِها (البالغِ عددَ
ألواحِها 17 ألفًا، لوحًا عدا الألواحِ المَكسورة) تَعودُ
إلى 2400 ق.م.، أي إلى 1100 سنة قبلَ موسى، وتشكِّلُ أثمنَ
كنزٍ كتابيٍّ قديم، وإنّ بينَها قطعٌ من سفرِ التّكوين،
تشمَلُ الطُّوفانَ ولنَقُلِ الحضارةَ النّوحيّة ...
و"ماري" على الفُرات، وتَعودُ إلى 2000 ق.م. ، وأوغاريت
غربَ العاصي...، وقد ذكَرنا أنّ مَكتوباتِها (أكثرَ من 11
ألف لوحًا)، تَعودُ إلى 1400 ق.م . ومعظمُ مَكتوباتِ
مدنِنا المَذكورةِ وأخَواتِها، لا سيّما الّتي في سوريّا،
موضوعةٌ باللّغةِ الكنعانيّة-الفينيقيّة، وبالخطِّ
المِسماريِّ، المَقطعيِّ ثمّ الألفبائيّ... كذلك ملاحمُ
إيبلا وأوغاريت وأخواتهما، تَروي قِصَصَ أبطالِنا الّذين
عاشُوا في بدايةِ الألفِ الثّالث ق.م. ، وهم أبطالُ "عصرِ
تور-إيل"، الّذين نُعرُفهم بألقابٍ هي لأهلِنا العُظماءِ،
في مقدِّمتِها "جبابرة" و"آلهة"، ومقرُّهُم الأوّلُ كانَ
مُدنَنا السّاحليّةِ والدّاخليّة وأهمُّها: عدن، جبيل،
بيروت، بعلبكّ، زحلة، صور، صيدون، وطرابلس... ومنها
انطَلَقوا إلى باقي لبنان-فينيقيا، حيث أسَّسوا مئةً
وثمانينَ مدينةً على الأقلّ ، وهذا الخبرُ لم يَعدْ
يستَغرِبُه المؤرِّخون الأفذاذُ بعدَ اكتِشافِ مكتوباتِ
مدُنِنا المَذكورةُ فيها بالمِئاتِ، وأكثرُها بالطّبعِ
مَحاه النِّسيان. أمّا المُتبقيّات، فلا تَزالُ تَحمِلُ
تَقريبًا الأسماءَ ذاتَها— أسماءً قريبةً من أسمائِها
الأُولى، إن لم تكُن هي ذاتُها —، الّتي كانت له منذ
البِداية، وفي مقدِّمةِ هذه المدنِ مدُننا اللّبنانيّة
الّتي تستأهِلُ لقبَ بادِعاتِ الحضارة.
قبلَ اكتِشافِ مدُنِنا، ومعرفةِ التأثيراتِ
الكنعانيّةِ-الفينيقيّةِ في التّيّاراتِ التّوراتيّة، وفي
شتّى الحضاراتِ القديمةِ ومن ثمّ الحديثة، بَرزَ التّأثيرُ
الميزوپّوتاميّ إثرَ اكتِشافِ مَكتوباتِ ميزوپّوتاميّةٍ
وفيرةٍ، أهمُّها "إپّوپيّةُ غِلغامِشْ" الّتي منها
"إپّوپّيّة الطّوفان" الشّهيرة . ولم يَعلَمِ البحّاثةُ
لأوّلِ وهلَةٍ أنّ هذه الإپّوپيّةَ هي، في الأساسِ،
كنعانيّةٌ-فينيقيّة، إلاّ أنّهم بعدَ اكتِشافاتِ مدائنِنا
العريقة، وإبّانَ دِراسةِ النُّصوصِ المنوَّعةِ المصادِر،
أخذوا يُجْرون المُقابلاتِ بينها، فتبيّنَت لهم فقَرٌ
تُدلُّ بوُضوحٍ على أسماءِ أبطالِها، وعلى الأماكنِ الّتي
جرَت فيها أحداثُ المَلاحمِ الميزوپّوتاميّة؛ وتأكّدَ
للأركيولوجيّين أنّ أبطالَ "إپّوپيّة الطّوفان"، هم هم نوح
وعائلتُه. ومن أفرادِ عائلتِه "آلهة" كثُرٌ يَذكرُهم
سنخوني أتن ، مُعتبِرًا إيّاهم فينيقيّين لا مصريّين، أو
ميزوپّوتاميّين، أو ذوي هُويّاتٍ أُخرى. هذا مع العلمِ أنّ
بعضَهم ملكَ على ميزوپّوتاميا خُصوصًا نمرود باركوش (تك
8:10)، وهو هو زراتوسْترا الأوّل ، ابنُ عمّ تور،
وريا-سميراميس الأُولى أختُ الملك كرونوس إيل (س أ، 1، 19،
22)، ومُعظمُهم ملَكوا على مصر وفي مقدِّمِهم عمّون، ومصر
والدُ تور، وتور-هرمس، وأوزيريس وإزيس،
وإشمون-أسكليبّيوس... كما ملَكوا على أوروپّا:
عناة-أثينا-مينيرفا ملكَت على الأتيك (س أ، 1، 10، 18)،
وبنت أثينا مع فولكان- هفيستوس، و"آلهةٍ" أُخر...
وقد قارنَ عُلماءٌ أفذاذٌ من أمثالِ فرانسوا لنورمان، ما
بين أسماءِ "الآلهةِ" وصِفاتِهم، وتبيّنَ لهم بوُضوحٍ
أنّهم فينيقيّون، وأنّ الطّوفانَ ظاهرةٌ طبيعيّةٌ حصَلَت
بالفعلِ مِرارًا عبرَ التّاريخ، وأنّ سفينةَ نوح بُنِيَت
في لبنان، وبالضّبطِ في البقاع، ما بين زحلة وعنجر (عين
الجرّ)، وانطلَقَت من عنجر، كما روى ياقوت الحمويّ، نقلاً
عن التّقاليدِ الّتي حَفَظَت أخبارَهم، والّتي جاءَت من
شتّى مناطقِ الشّرقِ سيّما من بلادِ كنعان-فينيقيا. وفي
إپّوپيّة الطّوفان الميزوپّوتاميّة مقاطعٌ فينيقيّةٌ لا
شكّ فيها، نقلَها إلى العربيّة العلاّمة الأب بطرس ضو
عندما حكَى عن علاقةِ التّوراةِ بـ المسيح وبـ لبنان.
فضلاً عن ذلك، قد تَحِلُّ نظرتُنا هذه إلى الأُمور، بعضَ
"ألغازِ" النّصِّ التّوراتيِّ المُستعصِيةِ، الّتي يَبدو
لنا أنّ بعضَها قد يكونُ تاتجًا عن أخطاءَ وقَعَ فيها
المُترجِمُ من الهيروغليف — الكِتابةِ بالضّبابيّةِ —، إلى
الأبجديّة، ومنها عدَمُ استيعابِه التّامِّ للنّصِّ...
وبعَملِنا هذا، نكونُ قد أنَرنا بعضَ زَوايا التّاريخِ
المُظلِمة، ممّا يُساعِدُ على تَرسيخِ "التّوراة"
تاريخيًّا وبصورةٍ جِدّيّة. وعلمًا أنّ موسى هو، كما سبقَ
أن قُلنا، سليلُ ابراهيم (خر 6:3)، وبالتّالي سام بن نوح
(تك 10:11-31)، كما أنّ تور الجبيليّ هو حفيدُ سام وحام،
فلا عَجبَ إن غَرَفَ موسى من بحرِ تور واضِعِ التّوراةِ
الأُولى جامعًا ما تمكّنَ جمعُه من تُراثِ أجدادِهم
جميعًا، فيما راحَ رافدُه الخاصُّ يَصُبُّ في النّهرِ
الآتي من المَنابعِ التّوريّة.
كلُّ هذا مكنّنا من القولِ إنّ موسى كماتور وباقي
مؤرّخينا، هو "صديق الحقيقة" (س أ، 1، 9، 21).
|