تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ

 بقلم ميّ مرّ

 

لأنّ لبنان هوَ أكثر من حضارة، إنّما منبع للحضارات، تبدأ "elnashra.com" حصريًّا بنشر "تاريخ لبنان... عملاق التواريخ" للأديبة والمؤرّخة الأولى مي مرّ على حلقات عدّة أسبوعيًّا.

لبنان - فينيقيا أرض إيل عبرَ قَبتاريخِه وتاريخِه عِملاقَي القَبتواريخ والتّواريخ

هديّةُ المسيح لتور عبرَ موسى: الأسماءُ الثّلاثة: "الكتاباتِ المقدّسة"، و"التّورا"، و"الببْل"، الّتي أعطاها تور كتُبِه الأُولى: الكتبِ المقدّسةِ ("كورپّوس هرمتيكوم"، "ستوبي"، 23، 8).

منذ سنينَ ونحنُ نتساءل: لأيِّ سببٍ لم تُذكرْ الأناجيلُ تور؟ أخيرًا تنبّهنا إلى أنّ المسيح لم يُلْغِ تور من التّاريخِ الدّينيّ، بالعكس، سمحَ بأن يَترُكَ موسى أسماءَ تَوراتِه الأُولى "التّورا"، و"البِبْل"، و"الكتابات المقدّسة"، كما سَمّاها هو، لـ "التّوراة" الموسويّة. وستظلُّ هكذا على كلِّ شفّةٍ، مدى الدّهر. وهذا يَعني أنّ موسى أكملَ ولم ينتَحِل.
يَعرِفُ المتُعمِّقون في دِراسةِ "الكتابِ المقدّس"، وفي مقدّمِه "الپّانتاتوك" أنّه لا يَزالُ في عهدَيه القديمِ والجديد، حاوي مبادئ المسيحيّة، وفي عهدِها القديم، مبادئ اليهوديّة، لثُلثِ البشريّة، والكتابَ الّذي يَنهَلُ منه الآخرون. ويَعرِفُ المطّلِعون أنّ هذا المؤلّفُ يُطبعُ بكلِّ اللُّغات، ويوزّعُ منه مليار نسخة... أي أكثرَ ممّا يُطبَعُ من أيِّ كتابٍ آخرَ، وربّما اكثرَ ممّا يُطبعُ ويُنشَرُ كلَّ سنةٍ في العالمِ أجمَع.
بلى — ونقولُ ما نَقولُه لكن دونَ وجَلٍ، ولو من بابِ المُصادرةِ على المُستقبَل —، سيَظلُّ "الكتابُ المقدّس"، الأعظمَ بين ما كُتِبَ، إلى مدى الدّهر.

اسمُ الكتابِ "التّوراة" على اسمِ "تور"، و"بِبْلْ" على اسمِ "بيبلوس"، و"الكتابات المقدّسة"، كما سمّاها تور. – مائيّة للفنّانة لينا المرّ نعمه
 

معبد ملكعشترت (ملكرت بن عشترت) في حامول أُمّ العمد على أبوابِ صور(رسم دونان، "أم العمد")
 

هيكلُ الرّبّ الّذي بناه حيرام أبي وظلَّ اسمُه "لبنان" حتّى القرن الرّابع للمسيح (أوزيب "التّهيئة الإنجيليّة"، 8، 4)


الحضارة 5: "حضارة الحيرامَين وألفُ العباقرة، ثالثُ عصرِ سعادةٍ للنّاس".

ما بين بِدايةِ الألفِ الأوّلِ قبلَ المسيح. وإطلالةِ المسيح.
افتتَحَ هذه الحِقبةَ النّهضويّةَ حيرام، ملكُ صور، ومُلهِمُه العبقريُّ الكونويُّ حيرام أبي، وشُلّةٌ من عَباقِرةِ صيدونيا بعاصمتَيها صور وصيدون، وقد حقّقوا ثالِثةَ أعاجيبِ العقلِ اللّبنانيّة-الفينيقيّة.
بدأتِ النّهضة الحيراميّةُ، يقول يوسيفوس ("تاريخ اليهود"، 8، 5، 144)، بإعادةِ بناءِ صور الّتي وُسِّعَت عاصمتُها البحريّةُ بإنجازٍ بَحريٍّ جبّارٍ، أدّى إلى وصلِ جزيرتَين من جُزُرِها السّبع، ثمّ حُصِّنَت، وُجدِّدَت هياكِلُها، وزُيِّنَت بأعمِدةِ الذّهبِ وخَشبِ الأرز، وأُعيدَ إنشاءُ مرفإها المُزدوِجِ، المُسمّى صيدونيّ لجهةِ صيدون، ومصريّ لجهةِ مصر، فباتَ يتّسِعُ لِمئاتِ السُّفُنِ، كما يَبدو من آثارِه الرّائعةِ الّتي درسَها بّوادِبارْ في مؤلَّفِه: "صور مرفأٌ عظيمٌ تَوارى".
بهَرَت حضارةُ صور جيرانَها، فطَلَبوا مُساعدةَ ملِكِها ليَنهَضوا ببُلدانِهم. فلَبّى طلَباتِ مُلوكِ مصر وميزوپّوتاميا، وخُصوصًا ملِكَي إسرائيل النّبيّ داود وابنِه سليمان، اللّذَين أوفَدَ إليهما حيرام أبي، العبقريَّ الشّامِلَ المواهب (2أخبار الأيّام 13:2-14). فأعادَ بناءَ أورشليم، وعمّرَ قصرَ داود الّذي سُمِّيَ "بيت الأرز" (2 صموئيل 2:7 م.ب.)، كما سُمِّيَ مُجمَّعُ قُصورِ سليمان "غابةَ أرز لبنان" (1ملوك 2:7م.ب.). وشَيّدَ حيرام أبي هيكلَ الرّبّ الّذي يصِفُه "الكتاب المقدّس" (1ملوك 5-7؛ 2أخبار الأيّام 2-4)، كصَرحٍ فنِّيًّا رائعًا، بُنِيَ بحِجارةٍ قُصِّبَت في لبنان وكُسِيَ بالذّهبِ وبخشَبِ أرز لبنان. هذا الهيكلُ ظلَّ اسمُه "لبنان"، يقولُ أوزيب القيصريّ في "التّهيئةِ الإنجيليّة" (8، 4)، حتّى أيّامِه في القرنِ الرّابعِ للمسيح، وهو هو الّذي سمّاه يسوع "بيت أبيه" (يوحنّا 16:2).
وعُقِدَت معاهدةٌ بين حيرام وسليمان ابن "صديقه صديق عمره" داود، هي من أروعِ المُعاهدات(1ملوك 15:5 و26)، عادَت على الشّعبَينِ الفينيقيّ والعبرانيِّ بالازدِهار والخيرِ والسّعادة. وساندَ رجالُ سليمان فاتِحينا في إعادةِ افتِتاحِ العالمِ وتَمدينِه، فوصَلوا معًا إلى أوفير (البرازيل)، وعادوا منها بأطنانِ الذّهبِ وبالسّلعِ الأُخرى الثّمينةِ (1ملوك 28:9م.ب.). وفي "التّوراة" (2 صموئيل، و1ملوك، و2أخبار الأيّام)، أروعُ الأوصافِ لهذه الحِقبةِ من تاريخِنا المَجيد.

حيرام العظيم عقدَ مُعاهدة حضاريّة مع سليمان ابن النّبيّ داود، سبقَتها معاهدةٌ بين والِده أبي بعل، وصديقه داود، لصَدِّ خطَرِ الفِلِسطينيّين

انطلقَ الفينيقيّون من خَليجِ العقبة إيلات) فوصلَت إحدى سفنِهم إلى البرازيل-پّاراهيبا، وقد قادَتها الرّيّاحُ الموسمِيّةُ والتّياران الاستوائيّان الشّماليُّ والجنوبيّ. أمّا الـ 9 الأُخرى من سفنِ الأُسطول، فعادَت إلى فينيقيا (عن "نيويورك تايمز"، 16/5/1986)

وتصرّفَ حيرام وكأنّه سيّدُ أسياد العالم، وطافَ في الأرضِ كافّةً بما فيها أميركا. شَبّهَه النّبيّ حزقيال (28) بـِ "ملاكٍ في الفِردوس" "يتمشّى في عدن"، "جنّةِ اللّه"، في "جبلِ اللّه المقدّس". ووصَفَ صور "بالفائقةِ الجمالِ" الّتي تُتاجِرُ مع شتّى بُلدانِ العالمِ المأهول، "فتُشبِعُ الشّعوبَ وتُغني كلَّ مُلوكِ الأرض (حزقيال 27). وقالَ عنها النّبيّ إشعيا (9:23)، إنّها "شَكشَكت" كبارَها ملوكًا على العالم.
ولن نَستغرِبَ والحالةُ هذه أن يكونَ العبرانيّون قد توَّلَهوا بـ لبنان وبأرزه: فالنّبيّ موسى اعتبرَ لبنان "البلدَ السّعيد" (تثنية 25:3)، الّذي يَفيضُ لبنًا وعسَلاً (خروج 8:3...). والنّبيّ داود تَغنى بـ "أرز اللّه"، الأرز الّذي "زرَعَه اللّه" ليُمجِّدَه إلى الأبد" (مزامير 11:80؛ 104؛ 148...). وعروسُ "النّشيد" (8:4 م.ب. و15:5)، نادى عروسَه، تلك الّتي تَعتبرُها المسيحيّة رمزًا للعذراءِ مريم، أمِّ اللّه القدّوسة (القدّيس جيروم، في شرحِه "نشيد 3:4")، ناداها من لبنان هاتفًا: "إليَّ، يا حبيبتي، من لبنان، لأُكلّلكِ"، وأجابَته هي: "طلعةُ حبيبي، كما لبنان، وكالأرزِ لا مَثيلَ له"... أمّا النّبيّ إشعيا (13:60) فهَنّأ أورشليم لأنّ "مجدَ لبنان أُعطِيَ لها". والنّبيّ حزقيال عَظَّمَ الأرزَ الّذي في عدن-لبنان (1:31-16)، واعتبَرَ لبنان "أجملَ البُلدان" (6:20)...
والخُلاصةُ أنّ لبنان الّذي ذُكِرَ في "العهد القديم" حوالى مئةِ مرّةٍ — عَدا ما ذُكِرَ عن عَظمةِ صور وصيدون... —، عابقٌ بالعِطرِ والبَخور، دافِقٌ بالبُحبوحةِ ومُكلَّلٌ بِتاجٍ لا تَحلَمُ بمِثلِه أرض!
ولن نَنسى مَجدًا ولا الأمجاد، وهو أنّ حيرام — كما داود وسليمان — هو من جُدودِ يسوع: فهو رأسُ سُلالةِ إيزابل وبنتِها عَتلّيا، زوجةِ يورام (2ملوك 18:8)، المَذكورِ بين الّذين تحدَّرَ منهم المسيح (متّى 8:1)...

 

جوليا  دومنا اللّبنانيّة-الفينيقيّة الّتي تُمثّلُ مذبح الإله زوس هاجيوس

بعد الإسكندر فقط، وُصِلَت صور البحر بـصور البّرّ (پّاليتير) بواسطة سَدِّه


واجهتان من ناووس الإسكندر الّذي نقلَه العثمانيّون إلى تركيّا، وهو اليوم في متحف توپّكاپّي في اسطنبول، عُثِرَ عليه في صيدون (ق 2-3 ق.م.).لنُلاحظ الرُّسوم الزّيتيّة الملوّنة على هذا النّاووس كما على ناووس أحيرام، عُثِرَ عليه في جبيل (قرن 13 ق,م,)


خارطة تجارة صور كما جاءت في كتاب "الكون الفينيقيّ"، ص 118-119
 

الفصلان الأوّل والثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السّادس
الفصل السّابع
الفصل الثّامن
الفصل التاّسع

الفصل العاشر
الفصل الحادي عشر
الفصل الثّاني عشر

(يتبع...)

 
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.