تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ

 بقلم ميّ مرّ

 

لأنّ لبنان هوَ أكثر من حضارة، إنّما منبع للحضارات، تبدأ "elnashra.com" حصريًّا بنشر "تاريخ لبنان... عملاق التواريخ" للأديبة والمؤرّخة الأولى مي مرّ على حلقات عدّة أسبوعيًّا.

لبنان - فينيقيا أرض إيل عبرَ قَبتاريخِه وتاريخِه عِملاقَي القَبتواريخ والتّواريخ

الفصل الثّالث

تاريخُنا ماشٍ على رأسِه كُتِبَ عكسَ الحقائق

 لم يَعُدْ يَخفى على كِبارِ البحّاثة، والمؤرّخين، خصوصًا بعدما تمَّت الإكتشافاتُ التّاريخيّةُ والأركيولوجيّة، أنّ ما كان يُعتَبرُ فقرًا فِكريًّا وثقافيًّا، عند اللّبنانيّين-الفينيقيّين، مَرَدُّه، من جهةٍ إلى فُقدانِ آثارِنا، سيّما المَكتوبة، ومن جهةٍ أُخرى إلى كونِ ما بَقِيَ منها لا يزالُ تحتَ الأرض، وخاصّةً لأنّ من تبعوه هم من الغُرباء الفينيكوفوبيّين. ومن أسبابِ فُقدانِها، الكوارِثُ المنوَّعةُ والعَديدة، ومنها الطّبيعيّة، كالطُّوفانات والبَراكين والزّلازِل —وأشرسُها الزِّلزالُ الّذي دمَّرَ بيروت وأحرقَها يومَ كانت عاصمةَ الحقِّ في العالم، ومعها دُمِّرَت مدرستُها الشّهيرة، وذلك عام 555 لـ المسيح—؛ وقد تكونُ الكوارِثُ البشريّةُ كالأوبِئَة، والاضطِهاداتِ، والحروبِ أشدَّ شَراسَةً. إنّما رغمَ كلِّ ما مُنِيَ به وطنُنا من نكَبات، لا تَحوي أرضٌ في الدّنيا بقَدرِما تَحوي أرضَ لبنان من آثار.
ما ظَهَّرناه حتّى اليوم يَعتمِدُ على ما بقيَ من مُعطَياتِنا، بخاصّةٍ التّاريخيّة، الّتي هي طَيَّ نُصوصٍ لبنانيّةٍ-فينيقيّةٍ أوعالميّة، وبالأخصِّ على الاكتِشافاتِ الأركيولوجيّة الّتي تمَّت في لبنان وماحولَه، عنَنيا بالأخصِّ نُصوصَ إيبلا، وماري، وأُوغاريت ؛ منها سيَتَبيَّنُ لنا أ نّ وطنَنا، بكلِّ ماضيه : بما قبلَ تاريخه —ولْنَستَبدلْ عِبارةَ ما قبلَ التّاريخ بكلمة "قَبتاريخ"—، وأيضًا بتاريخِه، هو مُنطلقُ الحضارات.
ونتساءَل: إن كانتِ الحقائقُ تُثبِتُ أنّ لبنان-فينيقيا هو فعلاً "أرضَ اللّه" فلِمَ لم يُعطَ حتّى الآنَ مَن يكتُبُ ماضيَه على حقيقتِه: حضاريًّا ومجيدًا، ومُقدَّسًا؟
من أبحاثِنا الكثيرة الّتي أثمرَت عن كتاباتٍ فيها المَقالاتُ الّتي نوَّهنا بها، نستَخلصُ أجوِبةً أساسيّةً أهمُّها:

لأنّ تاريخَنا هو أعرَقُ التّواريخ، تعَرَّضَت موادُّه الأُولى أكثرَ من غيرِها للتّلَف
السّبَبُ الرّئيسيّ هو بُعدِها الزّمنيّ عنّا. حتّى الآن، ألقى المُؤرِّخونَ أضواءَهم على الغُزاةِ وحُروبِهم، وباقي شُرُورِهم، أكثرَ من إلقائِها على مَواطِنِ الحضارة؛ ولأنّ لبنان هو أرضُ حضارةٍ، لا مِساحةٍ وأعداد، قلّما اهتَمُّوا به.

أغلَبُ ما وصلَنا من تُراثِنا، وصَلَ عن طريقِ غُرباء، غالبًا ما كتَبوا بِروحٍ "شوفينيّة"
و"الشُّوفينيّ" هو من رَفَعَ بِلادَه فوقَ شتّى البُلدان، وهو يُحاوِلُ الإقلالَ من قيمةِ غيرِها. وكم وكم من "الشُّوفينيّين" القُدامى حَسَدوا أهلَنا على عُظائِمِهم، واعتَبَروهم مُنافِسي شعوبِهم. فكتَبوا ضِدَّنا، واقتَدى بهم مُحدَثون كثُرٌ، بغَّضُوا النّاسَ بحضارتِنا؛ انتهَوا بأنّ أوجَدوا تيّارًا ضِدَّهم، سبقَ أن قُلنا إنّ المؤرّخ بيرار سمّاه "الفينكوفوبيّة".

وتوجّهت أنظارُ الأركيولوجيّين نحو بلدانٍ أعطِيَت حظَّ أن تَحكيَ ويُسمَع لها
من جهةٍ أُخرى، كان من البَدَهيِّ أن يَعملَ الأركيولوجيّون أوّلاً على آثارِ بُلدانٍ اكتُشِفَت حضارَتُها قبلَ غيرِها، فراحوا يَمدحونَها ويُكثِرون، ومنها مِصر، وميزوبّوتاميا، وإغريقيا، وروما... الأمرُ الّذي دفَعَ بهذه البُلدان إلى الواجهاتِ الحضاريّة الأُولى. ولم يَعُد هناك ما بإمكانِه زَعزَعةُ ما بُنِيَ لتلك البُلدانِ بسُهولة، حتّى اللّقيّاتُ العلميّةُ الّتي تَرُدُّ لوطنِنا اعْتِبارَه، وبالتّالي مركزَه السّاطعَ في طليعةِ بُلدانِ الحضارة، لم يكن وليسَ من السّهل جَعلُ النّاسِ يأخُذون بها.

أخطرُ من كلِّ هذا واضِعو الكُتبِ المدرسيّة
أجل، الّذين يُجهِّزونَ الكُتُبِ المدرسيّةِ لأولادِنا في لبنان، قلّما يَرجِعونَ إلى المَنابِع، بل إنّ أكثَرَهم يَنقُلون بَعضُهم عن بَعض، وهكذا تَجيءُ كتُبُهُم رُوتينيّةً تافِهة؛ وكي يَعذُروا تلك التّفاهة، نَراهُم يتحَجُّجونَ بأنّهم مَوضُوعيّين، ناسينَ أنّ التّاريخَ ثلاثة: اللّقيّةُ الأركيولوجيّة، والحدَثُ المكتوبُ، والتّعليقُ عليهما، وأنّ التّعليقَ يَجعلُ من هذا العِلمِ أحَدَ الأبعدِ بين العُلومِ عمّا يُسَمّى، سَطحيًّا، "المَوضوعيّة"، لأنّه من العُلومِ الّتي على عَلاقةٍ حَميمةٍ بالإنسان. وكلُّ ما يتعلّقُ بالإنسان، مُعرَّضٌ لأن يتأثّرَ بمِزاجِه وأهوائِه؛ لذا، فالمؤرّخون، ولَو أرَّخوا للأحداثِ كما ورَدَت، فهُم لا يُعلِّقونَ عليها بالرُّوحيّةِ عَينِها، لذا تأتي تواريخُهم مختلِفةً، أحيانًا حتّى التّناقُض.

"كتَبجيّة" التّاريخ لا يُلامون بقَدرِما يُلامُ واضِعو المناهج
ولنَقُلْ قد لا يُلامون وحدَهم على إصدارِ الكتُبِ الّتي جعلَت تاريخ لبنان يَمشي على رأسِه، لأنّ مناهِجَنا التّعليميّةَ الّتي نَعتناها في مُحاضراتِنا وكِتاباتِنا الكثيرة عنها بـ "المُجرِمة"، أفرَغَت لبنان من لبنان، ومَلأته ببعضِ شرقٍ وببعضِ غَرب، وربّما ليسَ بأحسنَ ما في الشّرقِ والغَرب. وهكذا حُكِمَ على أولادِنا أن يتعَلّموا كلَّ شيءٍ، ما عدا حضارة لبنان.

وأخطَرُ الأخطَر، هو تَقَزْمُنُ أكثرِ سِياسيّينا بعد غِيابِ فخر الدّين العظيم
في العُهودِ المُظلِمةِ الّتي لَحِقَت حُكمَه، فتَراتُ النُّبلِ والعُنفُوانِ الخلاّقِ كانت جِدَّ قَصيرة. وكثيرًا ما تَصَرَّفَ حكّامُنا المُستزْلِمون للخارج، وكأنّهم مُمثِّلونَ لعُهودِ العثمَنةِ التّأخريّة، وهكذا "غَدَوا" مؤرِّخين للاّحضارة. وهؤلاء راحوا يَنعَتونَ، حتّى عهودَنا المَجيدة، بنُعوتٍ تَرفعُ للغُزاةِ عُروشًا على أنقاضِ عُنفوانِنا: إميل لودفيغ، عندما أرَّخَ لـِ ألمانيا، عَنْوَنَ الفَترةَ النّابّوليونيّة المُذِلَّةِ للألمان، بـ "عهد بيتهوفن". عندنا، عِوَضًا عن أن يُعَنوِنوا بـ عهدِ المدرسةِ الحقّ البَيروتيّة"، مثلاً، نَراهُم يُعَنوِنونَ بـ "الفتحِ الرُّومانيّ"، الّذي هو غزوٌ، وليس فتحًا، و"حربٌ مُتواصلةٌ وليسَ سلْمًا".
بلى، تاريخُنا كُتِبَ مُزَيّفًا، وعَكسَ ما كان يَجِبُ أن يُكتَب. ولم يَكتُبهُ اللّبنانيّون بعد. لذا نقولُ إنّه ماشٍ على رأسِه ؛ ولذا ظلَلنا سِنينَ طَويلةً نَصرُخُ في مُحاضَراتِنا: "أحرِقُوا كتُبَ التّاريخ!" والآن، حانَ لنا أن نُعالِجَ هذا الأمرَ الخَطير بجدّيّة، وروحِ مسؤوليّة، وإخلاصٍ للوطَن لا يَجوزُ أن يَعلُوَ عليه إلاّ إخلاصُنا للحقِّ — وأرضُنا مَوطِنُ الحقّ بامتياز!—. ومتى تسَلّحنا به، نَرجِعُ قادِرينَ على بِناءِ قصرِ لبنان-فينيقيا من جديد، ويَرجِعُ وطنُنا "أرض إيل"، و"بيت إيل"، و"قلبَ إيل".


 إيل جبيل، يُباركُ بيمينِه ويَحملُ الصَّولجان بيسارِه؛ رداؤه زُيِّنَ بالفَرْو (ق 19 ق.م.)

اللّبنانيّون أوّلُ مَن سمّى اللّه باسم إيل وذلك منذ آدم (ومنه هب-إيل). ومثلَهم سمّاه إبراهيم. إيل، أوّلُ الأُوَلِ، يُعلِنُ في إبّوبياتِنا الفينيقيّة ("البعل وعناة"): "الحربُ ليست من مَشيئتي...ابذُرُوا المحبّةَ في العالم، وصُبّوا السّلامَ في قلبِ الأرض"... واسمُ المسيح يسوع الآخَر هو عمّانوئيل (متّى 23:1)، وعلى الصّليب صرخَ مُنادِيًا أباه: "إيلي، إيلي لِمّا شْبَقْتني؟" (متّى 46:27). وأسماءُ الملائكة — ومَن مثلَهم تيَّمُنًا بهذا الاسم؟ — مركّبة منها ومن إيل: منها مِيخائيل، جبرائيل، ورفاإيل.
 
 

"أرزايل" (ومنه "أرض-إيل"). هكذا سمّاه اللّبنانيّون. هكذا سمّته المزامير(مز 11:80) ونحن لا نَزالُ نسمّيه: "أرز الرّبّ"
 

غُصنٌ من شجرةِ اللُّبنى الحاملةِ اسمَ لبنان

 

الفصلان الأوّل والثاني

(يتبع...)


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.