تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ

 بقلم ميّ مرّ

 

لأنّ لبنان هوَ أكثر من حضارة، إنّما منبع للحضارات، تبدأ "elnashra.com" حصريًّا بنشر "تاريخ لبنان... عملاق التواريخ" للأديبة والمؤرّخة الأولى مي مرّ على حلقات عدّة أسبوعيًّا.

لبنان - فينيقيا أرض إيل عبرَ قَبتاريخِه وتاريخِه عِملاقَي القَبتواريخ والتّواريخ

هل قصصُ قدموس وعائلتِه تاريخيّةٌ أم أسطوريّة

إلى حوالى قرنٍ بقِيَت قصصُ قدموس الصّوريّ مخترعُ الأبجديّة وناشِرُها في العالم الّذي علّمَه إيّاها كما باقي مبادىء العلمِ والمعرفة الّتي كان الفينيقيّون قد اختَرعوها ونظّموها من ذي قبل. لكن شيئًا فشيئًا تمَّ لمؤرّخي النّصف الثّاني من القرن العشرين إكتشافَ حدثٍ عظيمٍ جدًّا: ألا وهو كونُ كلّ ما يتعلّقُ بـ قدموس تقريبًا هو من صُلبِ التّاريخ لا من "فنتَزية" الأُسطورة، وكيف تمّ ذلك؟ باكتِشافِ لقيّاتٍ أركيولوجيّة لا تُكذّب، أهمُّها بلا شكّ آثارُ طيبا عاصمةُ قدموس اليونانيّة، وقصرِه القَدميّة، الّذي كان يجمعُ فيه جميع الفعاليّات والعباقرة ليُعلّمَ باقي الشّعب ما اخترَعَه واكتشَفَه هؤلاء. وممّا يؤكّدُ ذلك اختِراعات قدموس ورُفقائِه الّتي بدأ بتعليمها لليونان عباقرةً وشعبًا. ومنها ما ذكرَه ننوس مُفصِّلاً، وأُخرى ما لمَّحَ إليه، وكلُّها على أهميّةٍ قُصوى لِبناءِ صرح الحضارةِ، وعندما سنذكُرُ أهمَّها ستَتبيّنُ لقُرّائِنا أهميّتها الفائقةُ الّتي جعلَت من قدموس أحدَ أهمِّ مُعلّمي العالم عبرَ التّاريخ.
وتفصيلُ ذلك معروفٌ بواسطة الأساطير الّتي في مقدّمتها أسطورةُ اختِطافِ أوروپّ بنتَ ملكِ صور وأخت قَدموس — الّتي سنقولُ إنّ اسمَها أُعطِيَ للقارّةِ الّتي ستَغدو قارّة الحضارة —، الأمرُ الّذي لم يحتمِله أبوهم أغنور الملك، فجمَعَهم وكانوا خمسة صِبيان عدا أوروپّ — والبعض يقولون أربعة صِبيان—؛ أمّا الخمسة فبكرهم قدموس، وهو الّذي سيسلّمه والدَه المهمّةَ الكُبرى، عنَينا إرجاعَ أختِه ممّن خطَفَها — وهذا أمرٌ بقِيَ في عوائدِ اللّبنانيّين حتّى اليوم؛ فأهلُ المَخطوفةِ لا ينكفّون يُلاحقون الخاطِفَ وأهلَه إلى أن يَسترجِعوا ابنتَهم —، وثاني الإخوة الصِّبيان كان كيليك، الّذي سيبحثُ معه قدموس عن أُختِه في منطقةِ كيليكيا الواقعةُ جنوب تركيا اليوم، ولمّا لم يجداها سلّمَ قدموس هذه المنطقة لأخيه كيليك، وحملّها اسمَه ولا تزالُ تحمِل اسمَ كيليك حتّى اليوم. بعدَ أن سلّمَ قدموس أخاه كيليك منطقةَ كيليكيا، وربّما باقي آسيا الصُّغرى، توجّه مع رُفقائِه نحو الجنوب مارًّا تارةً بالجُزرِ القريبةِ من الشّاطىء، وطورًا عابرين الشّاطىء نفسَه. وإبّانَ مرورِهم قريبًا من صيدون وصور، سلّمَ قدموس تلك المنطقة الجنوبيّة لأخيه سيفي، الّذي أُعطِيَ اسمَه لـ حيفا وجِوارِها. إذّاك أكمَلَ قدموس تفتيشَه عن أختِه في شتّى جزُرِ المتوسّط مرًّا بـ قبرص، ورودوس، وجزُر السّيكلاد والسپّوراد، وُصولاً إلى جزيرةِ كريت الّتي كان متأكِّدًا من كونِ أختِه فيها، لكن حسبَ أخبارِ قدموس وأوروپّ، لم يتواجه الأخُ والأختُ سوى مرّةً ولوقتٍ قليل، إذ يَبدو أنّ أوروپّ أقنعَت أخاها بأنّها قبِلَت طَوعًا باختِطافِ ملكِ كريت لها، وأنّها تحبُّه، وهو الّذي يُسمّيه المؤرّخون المشّرقيّون القُدامى ومنهم مَلالا، تور أو توروس أسْتوريوم، مؤكِّدًا هكذا أنّه لم يكن الخاطفُ ثورًا، وإنّما اخترَعَ الأغارِقةُ أُسطورةَ تَحَوُّلِ زوس رئيس الآلهة كي لا يلحق به الفينيقيّون ويَستردّوا أوروپّ. لكنّ أوروپّ هي على ما يَبدو الّتي أقنعَت أخاها بأنّها أحبّت ملك كريت وتزَوجته، ويهمّها أن تعيشَ معه، فتركها قدموس لِسعادتِها. وأكملَ جَولتَه عبر جزُرِ المتوسّط، أوّلاً، ثمّ عبرَ الشّواطىء وكان ما إن يحتَلُّ جزيرةً ما حتّى يَشرَعُ بتعليمِ كبارِها الأبجديّة وباقي العُلوم الفينيقيّة. وكان بالمُقابل يبدأ بوضعِ تَصاميم للمدن، ولنقُل على الأقلِّ للعاصمة ويعيّن أمكنةَ للهياكل والقُصورِ أوّلاً، ومن ثمّ يكمِلُ تَخطيطَ الطُّرُقاتِ الّتي كانت شوراعُها عادةً مُتعامدةً، وفي زواياها كانت تُقام المَباني الحكوميّة، وأيضًا الأبراج لمُراقبةِ الغُزاة؛ وكانت المباني الكُبرى تحمِلُ أسماءً شهيرةً من فينيقيا، وبخاصّةٍ أسماءَ الكواكبِ والنُّجوم، الّتي كان الفينيقيّون قد اكتشفوها منذ أيّامِ تور، وأعطوها أسماءَها. ويَبدو أنّ المدُن التي بَناها قدموس ورُفقاؤُه كانت تُعَدُّ بالمِئاتِ في بعضِ المناطقِ كما في ليبيا، وبالعشَرات في مناطقَ أُخرى.

أوروپّ على ظهرِ الثّورِ يومَ اختِطافِها. فُسيفساء جبيليّة (المتحف الوطنيّ-بيروت)


وأهمّ الجزُر الّتي اكتشَفَها قدموس هي جزيرة ساموس، حيث سيَلتقي هرمونيا الّتي ستَغدو زوجتَه وحبيبةَ العمر، ونشدِّدُ نحن على كونِه احترَمَها عندما أخذَها على متنِ سفينتِه ليتزوّجا في جزيرة ساموتراسْ، حيث كانت أمُّه وأحدُ إخوتِه تازوس، في انتِظارِه. لكنّ وفاةَ أمِّه قُبَيلَ وُصولِه جعلَه يؤجِّلُ العرسَ سنة، احتِرامًا لها، كما هي العادةُ حتّى اليوم عند اللّبنانيّين؛ لذا تأخّرَ في بِناءِ طيبا عاصمتِه، ولا سيّما في بناءِ قصره القدميّة، حيث سيتمُّ بِناؤُه بشكلٍ فخمٍ جدًّا، وسيَجيءُ رائعةً من الرّوائع، وقد وُجِدَت بعضُ آثارِ القدميّة، وطيبا حيث دلَّ عليهما ننوس، وهي آثارٌ أكّدَت أنّ القصرَ بُنِيَ فعلاً هناك وكذلك عاصمة قدموس طيبا الّتي حملّها اسمَ عاصمتِه وعاصمة والدِه طيبا المصريّة، وهي أيضًا بناءٌ فينيقيٌّ كان قد بناه مع أبيه أغنور حاكم مصر آنذاك، ومُجدِّد مُدُنَها الّتي كان الفينيقيّين الأُوَل قد بنَوها وباني أيضًا مُدُنًا جديدةً منها طيبا، الّتي كانت تدّرَسُ جميعُ العُلوم الفينيقيّة، ولا سيّما الشّعر الفينيقيّ الجميل جدًّا، حتّى قيلَ إنّ المصريّين انتَحَلوا جميعَ معارفِ فينيقيا ودرّسوها كما لو كانت لهم. لكن لا، لم يَنتحِلوها بل أدرجَها الفينيقيّون في مَناخ طيبا وغيرِها التّعليميّة.
وقد تبيّنَ للأركيولوجيّين أنّ المدُن المصريّة، حُدِّدَت فعلاً أيّامض أغنور وابنِه قدموس اللّذَين حكما مصر في آخرِ عُهودِ الهيكسوس، أي أنّهما كانا آخرَ الحاكمَين الهيكسوس في مصر.
هذا الّذي نقوله تبيّنَ أنّه حقائق تاريخيّة وأركيولوجيّة لا أساطيرَ اخترَعَها اليونان، وكان قدموس ذاتُه يعرِفُ أنّ الثّور لم يختَطِف أختَه، بل شابٌ إغريقيّ، كان الخاطف وهذا ما قالَه إلى أمِّ هرمونيا عندما كان في جزيرَتهم، وأقنَعته أن لا لُزومَ لأن يَلحقَ بأُختِه أكثر. هذا إلى أن وصلَ كما قُلنا إلى قلبِ اليونان. وهناك كان بإمكانِنا التّوقّف أكثَر لنُبرهنَ كيف أنّ الآثارَ الأركيولوجية في شتّى المناطق، في رودوس، وفي قبرص الّتي ستَلقّب بـ "الفينيقيّة"، واضحةٌ جدًّا وواضِحٌ أنّها فينيقيّة، وهيرودوت يَحكي ليسَ فقط عن آثارٍ فينيقيّة بل عن كِتابةٍ فينيقيّة، تَعودُ إلى عهدِ القَدامِسة الأُول، وهذا أمرٌ من أهمِّ العلاماتِ الّتي استدلَّ بها على مُرورِ الفينيقيّين في تلك المناطق.
لن نتوسّعَ أكثرَ في الآثارِ المكتشفة في اليونان لأن لا عدَّ لها، ولكنّها جميعًا تؤكِّدُ مُرورَ قدموس والقَدامسةِ في تلك المناطق الّتي وُجِدَت فيها.
لا، لم تعُد اليوم قِصصُ قدموس أساطيرَ وخرافات، بل أخذت مكانَها التّاريخيّ الّذي لها وتمركزَت فيه، فسمَحت لنا أن نقول كلّ ما قُلناه، وسنَقولَه عن قدموس، وبالأخصّ أنّه عاشَ في القرن السّادس عشَر قبل المسيح، وأنّه احتلَّ ما احتلّه من شواطىء المتوسّط وجُزرَه وحتّى من داخل القارّات، بحيثُ طبعَ بطابَعِه الحضاريِّ جميعَ تلك المناطق الّتي مرَّ بها.
 

أوّلُ كلمة بالأبجديّة: "لـِ أمون"، هي إهداء إلى الإله أمون الجبيليّ (القرن 16 ق.م.).-عن دونان، "بيبيلياغرامّاتا"، ص 143م.ب

 الأحرفُ الـ 9 الأُولى الّتي شقَّ منها قدموس الأرقام، بما فيها الصّفر. 2: أشكالُ الأرقام، وهي مُكوّنةٌ من الـ 9 الأحرفِ الأُولى القدمو-جبيليّة. بعدَ أن زيدَت عليها "شَحطة".- الرّسم لـِ سعيد عقل صاحب هذه اللّقيّة

ناووسُ أحيرام ملك جبيل (1300 ق.م.). أبجدِيّتُه، وهي الأشهر، كانت تُعتبَرُ الأُولى، قبلَ أن يَعثُرَ دونان على 3 نُصوصٍ جبَيليّةٍ تَعودُ إلى عهدِ قدموس (السّادس عشَر ق.م.)

الأبجديّة القَدمو-جُبيليّة أُمُّ كُلِّ أبجديّاتِ العالم

 

الفصلان الأوّل والثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السّادس
الفصل السّابع
الفصل الثّامن
الفصل التاّسع

(يتبع...)

 
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.